مقالات

كيف نحمي المستقبل من الفكر المتطرف؟

مهرة سعيد المهيري

المستقبل

 

 

قد يسقط تنظيم متطرف، لكن الأفكار التي غذّت نشأته وبرّرت جرائمه قد تبقى، وتجد طريقها إلى أجيال جديدة تحت أسماء وشعارات مختلفة، فتقنعها بأن قتل الأبرياء طاعة لله، وهدم الأوطان نصرة للدين، لذلك تقتضي المواجهة نقضَ الحجة، وكشفَ التحريف الذي جعل التكفير حكماً على المجتمعات، واستعادة المقاصد التي تجعل صون الحياة وكرامة الإنسان واستقرار الأوطان أساساً للفهم الديني.
ولكي نحرم التطرف أجياله المقبلة، علينا أن نجعل بيوتنا ومدارسنا مجالاً للسؤال والفهم، وأن يجد أبناؤنا في سلوكنا ما ندعوهم إليه من عدل ورحمة واحترام للآخرين، فمسؤوليتنا أن نبني فيهم عقلاً يميّز ووعياً لا ينخدع، حتى لا يستطيع أحد أن يستغلّ إيمانهم ليزرع فيهم الكراهية، أو يقنعهم بأن نصرة الدين تكون بإيذاء الناس وهدم الأوطان.
وفي هذا السياق، يقدم المفكر الدكتور خليفة مبارك الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في كتابه «تفكيك خطاب التطرف الديني في تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة»، قراءة نقدية للأفكار التي تستند إليها الجماعات المتطرفة، يفنّد حججها بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ويكشف تناقض ممارساتها مع تعاليم الإسلام الداعية إلى التسامح والتعايش وصون الحياة.
ويُبرز الكتاب فرادة التجربة الإماراتية في جعل التنوّع قوةً للبناء، والتعايش رداً عملياً يُسقط حجج الإقصاء، حيث تعيش على أرض دولة الإمارات جنسيات متعددة، بثقافات وعقائد مختلفة، في أمن وسلام وتآلف.
ويميّز الدكتور الظاهري بين قداسة النص الديني وبشرية تفسيره، كاشفاً كيف يُمنح الرأي البشري منزلة الحكم الإلهي، وتتحول الاجتهادات إلى أحكام مطلقة تحتكر بها جماعة حق الحديث باسم الإسلام والحكم على إيمان الآخرين، حتى يصبح الانتماء إليها معياراً للتدين، ومخالفتها خروجاً على الدين، ومقاومة مشروعها عداءً للإسلام.
ويتناول الكتاب خطاب الإخوان والسرورية والقاعدة وداعش، وما يراه المؤلف من صلات فكرية بينها، مع اختلاف طبيعتها وممارساتها، ويبحث خصوصاً في توظيف الحاكمية والجاهلية في التعبئة ضد الأوطان ومؤسساتها، فحين يُحكم على المجتمع بالجاهلية، وتدّعي جماعة أنها وحدها تعبّر عن حكم الله، يصبح إخضاع الناس في نظر أتباعها مهمةً دينيةً، وتكتسب الخصومة السياسية مبرراً يتجاوز حدود الخلاف إلى استباحة الحقوق.
ويبحث الكتاب في أزمة الهوية والشعور بالتهميش والحاجة إلى الانتماء، وهي مداخل قد تستغلها الجماعة لتمنح الفرد إحساساً بالقيمة والمكانة، ثم تربط هذا الإحساس بطاعتها، ومن هنا تتسع مسؤولية الوقاية لتشمل البيت والمدرسة والجامعة، وما تتيحه للناشئ من حوار وتقدير وفرص للمشاركة، حتى يجد مَن يصغي إلى أسئلته قبل أن يستغلها المحرّضون.
وتكشف مباحث التعصب وتضخم الأنا والعزلة الشعورية ونظرية المؤامرة كيف يُغلق العقل أبوابه أمام المراجعة، فيصدّق ما يؤيد أحكامه، ويرفض ما يخالفها، ويعدّ كل نقد دليلاً على استهدافه، ويزيد اجتزاء النصوص هذا الانغلاق حين يستدعي ما يخدم الخصومة، ويهمل ما يضبطها ويمنع العدوان، فتتحول المعرفة إلى وسيلة لتأكيد القناعة مهما ناقضتها الوقائع.
وفي معالجة الولاء والبراء وتقسيم الديار، يتصدى الكتاب للقراءات التي تجعل العداء أساساً دائماً للعلاقة مع أصحاب المعتقدات الأخرى، مستعيداً البر والقسط والتعارف والكرامة المشتركة، حيث تتجسد دلالة ذلك في حماية دور العبادة، والإحسان، والمودة، واحترام الخصوصيات الدينية، فحق الإنسان في الأمان لا ينتظر موافقة الآخرين على عقيدته، والتباين لا يمنح أحداً إذناً بالمساس بحياته.
وتتضح أهمية هذه القراءة في أنها لا تفصل بين نقد التطرف وتجديد أدوات الفهم الديني، فالمؤلف يرفض تقديس الاجتهادات، ويؤكد أن القطيعة مع الموروث لا تصنع نهضة معرفية.
وفي استعراض التجربة الإماراتية، ينتقل الكتاب من مناقشة الأفكار إلى دراسة الوسائل التي تتعامل بها الدولة والمجتمع مع التطرف، وتبرز هنا أهمية الجمع بين التشريعات والمؤسسات والتربية والثقافة، فمواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق بالرد الفكري وحده، كما أن الإجراءات القانونية، على ضرورتها، لا تغني عن بناء الوعي الذي يحمي الإنسان من التضليل.
ولا تقف أهمية الكتاب عند تحليل الخطاب المتطرف وعرض التجربة الإماراتية، بل تمتد إلى توصيات عملية تعزز دور المؤسسات التعليمية والبحثية في الوقاية من التطرف، ومن أبرزها الدعوة إلى إنشاء مركز بحثي، يضطلع باستحداث برامج أكاديمية، وإعداد دراسات محكّمة ودورية متخصصة ودليل لتدريس الدراسات الإسلامية، إلى جانب توسيع الحوار مع الشباب وتوعية الأسر.
وتقع على التعليم، في جميع المراحل العمرية، مسؤولية بناء الوعي الذي يحصّن الإنسان من التعصب والاستقطاب، بمحتوى يتناسب مع نموّه وأسئلته، حيث يبدأ في الطفولة بتعلّم احترام الآخرين والتعاون معهم، ويتعمّق في المراهقة بتنمية القدرة على الحوار والتحقق من المصادر ومقاومة التحريض، ويترسخ في الجامعة بتمحيص الحجج وفهم السياقات ومناقشة القضايا المعقدة.
إن حماية المستقبل تبدأ من حاضر يجد فيه أبناؤنا إجابات موثوقة، وقدوة عادلة، وفرصاً للمشاركة.
وتتجذر هذه الحماية بفهم ديني يرسّخ الرحمة، وتعليم ينمّي التمييز، ومواطنة يحميها القانون، حتى تنشأ أجيال تعرف كيف تفكّر بوعي، وتختلف باحترام، وتعيش معاً بأمان.

 

مقال للكاتبة: مهرة سعيد المهيري في صحيفة الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى