
حين يُرزق الأبناء بأبنائهم، لا يولد طفل جديد في الأسرة فحسب، بل تولد معه مشاعر جديدة في قلوب الأجداد، ويبدأ فصل آخر من حكاية العائلة. فالحفيد ثمرة غرس امتد عبر السنين، وبذرة تحمل في داخلها ملامح مستقبل لم يتشكّل بعد.
في الحفيد يرى الجد والجدة شيئاً من طفولة أبنائهما تعود إليهما، في ابتسامة تستحضر ذكرى، أو ملامح مألوفة، أو تصرُّف يعيد إلى الذاكرة أياماً مضت، لكن فرحتهما هذه المرة مختلفة، فقد خف عنهما عبء المسؤولية المباشرة، وبقيت لهما مساحة من المحبة والحنان والخبرة تمنح الحفيد شعوراً بالانتماء والأمان.
وللأجداد في حياة أحفادهم دور لا يعوضه أحد، فهم ذاكرة الأسرة الحية، ومن خلال حكاياتهم وتجاربهم يتعرف الأحفاد إلى جذورهم وتاريخ عائلتهم وقيم مجتمعهم، ويدركون أن حياتهم ليست بداية الحكاية، بل امتداد لأجيال سبقتهم.
غير أن هذه العلاقة تحتاج إلى وعي يحفظ توازنها، فالحفيد مسؤولية والديه أولاً، والأجداد سند لهما لا بديل عنهم. والمحبة لا تعني تدليلاً يُضعف التربية، ولا تمنح أحداً حق التدخل في قرارات الوالدين. وفي المقابل، من مسؤولية الأبناء تهيئة فرص اللقاء والتواصل، حتى لا تصبح صلة الأجيال زيارات عابرة في المناسبات.
والحفيد لا يرث من أسرته اسمها وملامحها فحسب، بل يتلقى منها، بوعي أو دون وعي، أساليب التعامل والتعبير عن المشاعر، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، ومعنى المسؤولية، والانتماء. فما يشاهده في علاقة والديه بأجداده قد يترك في نفسه أثراً أعمق من النصائح. وحين ينشأ على محبتهم ورعايتهم، ويتعلم خدمتهم بما يناسب عمره، تنمو لديه قيم الوفاء والامتنان، ويحملها يوماً إلى أسرته المستقبلية.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة وتتغير أنماط العلاقات الأسرية، نحتاج إلى تجارب مشتركة ومواقف يومية يرى فيها الحفيد القيم ممارسة حية، ويشعر بأنه جزء من حكاية تستمر به. فكل لقاء صادق، وكل موقف رحمة بين أفراد الأسرة، قد يصبح درساً يبقى في ذاكرته ويؤثر في اختياراته وعلاقاته حين يكبر.
ولعل السؤال الأهم ليس ماذا سنترك لأحفادنا من ممتلكات وذكريات؟ بل ماذا سنترك في نفوسهم من قيم تعينهم على الحياة ورعاية أسرهم وخدمة مجتمعهم؟
فالحفيد ثمرة ما غرسناه بالأمس، وبذرة ما سيحمله الغد، وبين الثمرة والبذرة تتجدد مسؤوليتنا في بناء الإنسان.
نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية – قطاع الخدمات المساندة
مقال للكاتبة: الدكتورة سميرة النعيمي في صحيفة الإمارات اليوم.



