أبوظبيالأخبار العاجلة

أكاديمية الشعر تصدر ديوان «السديري بن قنّون العامري»

أصدرت أكاديمية الشعر التابعة لهيئة أبوظبي للتراث ديوان «السديري بن قنّون العامري»، جمع وإعداد عبيد بن قذلان المزروعي، في إصدار يوثق جانبًا من الإرث الشعري لأحد شعراء الظفرة المخضرمين، ويقدّم مادته الشعرية ضمن سياق يجمع بين السيرة والتوثيق والرواية الشفاهية، بما يضيء ملامح حياة البادية وقيمها وتحولاتها، ويكشف عن تجربة شعرية ارتبطت بالصحراء والإبل والمطر والكرم والحكمة وحب الوطن.

ويكتسب الديوان الذي صدر في 151 صفحة من القطع الصغير ويضم 49 قصيدة أهميته من كونه محاولة لجمع ما تيسّر من قصائد السديري بن قنّون بن محمد بن غريفة العامري، الذي عاش حياة امتدت قرابة قرن، منذ مولده عام 1910 حتى وفاته عام 2017 في مدينة زايد بمنطقة الظفرة. وقد تشكلت تجربته في قلب البيئة الصحراوية، حيث عرف حياة البدو عن قرب، وعمل في رعاية الإبل، وكان دليلًا خبيرًا في الصحراء وطرقها، وهو ما انعكس بوضوح في شعره الذي حفظ صورًا دقيقة من حياة الناس وتنقلاتهم ومواردهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وجعل من القصيدة سجلًا حيًا لجانب من الذاكرة المحلية.

وتبرز في قصائد السديري مساحة واسعة من القيم التي شكّلت وجدان البادية، مثل الكرم والشهامة والنخوة والوفاء وصون الجار وإكرام الضيف والتمسك بالمروءة، إلى جانب حضور واضح للحكمة والنصح والتجربة الإنسانية. ولا يأتي هذا الحضور في صورة مباشرة فحسب، بل يتجسد من خلال مشاهد ومواقف عاشها الشاعر بنفسه، فتصبح القصيدة امتدادًا لسيرته وخبرته الطويلة، وتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة شعرية تحتفظ بملامح زمن كامل.
كما تحتل الإبل والطبيعة الصحراوية موقعًا مركزيًا في الديوان، إذ تكشف القصائد عن معرفة دقيقة بأوصاف الإبل وطباعها وحركتها ومرعاها ومواسم المطر، بما يعكس صلة وثيقة بين الشاعر وبيئته. وتظهر الصحراء في نصوصه فضاءً للعيش والتنقل والعمل والحنين، فيما يتكرر حضور البرق والغيم والسيل والرمل والمرعى بوصفها مفردات أصيلة في عالمه الشعري. ومن خلال هذه العناصر، لا يقدّم السديري وصفًا خارجيًا للمكان، بل ينقل خبرة من عاش الصحراء وعرف تفاصيلها ومشقتها وجمالها.

ويحضر الوطن والقيادة في عدد من قصائد الديوان بوصفهما محورًا مهمًا في تجربة السديري، ولا سيما في قصائده التي تناولت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إذ عبّر فيها عن مشاعر المحبة والولاء والتقدير، واستعاد مواقف ولقاءات جمعت بينهما. ويضم الديوان قصائد قيلت في مناسبات مختلفة، من بينها قصيدة نظمها فرحًا بعودة الشيخ زايد من رحلة علاج، وأخرى قالها خلال جولاته في منطقة ليوا، إلى جانب قصائد ارتبطت بمواقف وذكريات شخصية، بما يمنح النصوص قيمة توثيقية إلى جانب قيمتها الأدبية.

ويكشف الديوان كذلك عن حضور شعر السديري بن قنُّون في الذاكرة الشفاهية، فعلى الرغم من أنه لم تتح له فرصة التعليم النظامي والكتابة، بقي جانب كبير من شعره محفوظًا ومتداولًا لدى الرواة وأبناء قبيلته والمقربين منه، وانتقلت قصائده عبر الحفظ والرواية من جيل إلى آخر. ومن هنا جاء عمل عبيد بن قذلان المزروعي في الجمع والإعداد، مستندًا إلى ما احتفظ به أبناء الشاعر وأحفاده والرواة من قصائده، مع إخضاع المادة للبحث والتنقيح والتوثيق، سعيًا إلى جمع أكبر قدر ممكن من إرثه الشعري وحفظه من الضياع، وإتاحته موثقًا للقراء والمهتمين بالشعر النبطي.

ويأتي إصدار ديوان «السديري بن قنّون العامري» ضمن اهتمام أكاديمية الشعر بتوثيق الشعر النبطي وحفظ تراث شعرائه ورواته، وإتاحة نصوصه للباحثين والدارسين والأجيال الجديدة، بما يسهم في صون جانب من الذاكرة الشعرية والاجتماعية في دولة الإمارات، ويعيد تقديم تجارب شعرية ارتبطت بالمكان والإنسان والقيم الأصيلة التي شكّلت حياة المجتمع في مراحل سابقة.

أكاديمية الشعر تصدر ديوان «السديري بن قنّون العامري»

زر الذهاب إلى الأعلى