مقالات

أبناؤنا الذين نريدهم أفضل منا

علي عبيد الهاملي

أبناؤنا

 

 

 

ربما كان الابن هو الشخص الوحيد الذي يتمنى الإنسان بصدق كامل أن يراه أفضل منه.. فالإنسان قد يفرح لنجاح صديق ويسعد بتفوق زميل ويبارك لإنجاز قريب، لكنه يظل محتفظاً في أعماقه بمساحة صغيرة من المقارنة، وربما بشيء من الغيرة التي لا يعترف بها.
. أما حين يتعلق الأمر بالابن، فإن المقارنة تسقط، والغيرة تختفي، ويصبح تفوقه امتداداً لأبيه، ونجاحه تعويضاً عن أحلام لم تتحقق، وانتصاراً يشعر الأب أنه شريك فيه، حتى وإن لم يكن له منه سوى الدعاء والانتظار.

منذ اللحظة التي يولد فيها الابن، تبدأ الأمنيات في التكاثر حوله.. يتمنى له الأب صحة لا يعتريها مرض، وعلماً لا يحده سقف، ومستقبلاً يخلو من العثرات، وحياة أكثر أمناً وراحة من الحياة التي عاشها، غير أن الحياة لا تُبنى بالأمنيات وحدها، ولا تسير دائماً وفق الخرائط التي يرسمها الآباء لأبنائهم.
فالابن ليس نسخة أخرى من أبيه، ولا مشروعاً مؤجلاً لتحقيق أحلامه القديمة، إنه إنسان مستقل، له طبيعته وقدراته ورغباته، وله زمن يختلف عن زمن أبيه، وتحديات لم يعرفها الجيل الذي قبله، وما يراه الأب نجاحاً قد لا يراه الابن كذلك، والطريق الذي يختاره الأب آمناً قد يبدو للابن ضيقاً لا يتسع لطموحه.

هنا تبدأ المسافة الصعبة بين الحب والخوف، وبين الرغبة في الحماية والحق في الاختيار، فالأب بدافع المحبة يريد أن يمسك بيد ابنه حتى لا يقع، لكنه قد يمسك بها بقوة تمنعه من السير، يريد أن يدله على الطريق، فيجد نفسه من حيث لا يشعر يفرض عليه طريقاً لم يختره، ويريد أن يجنبه الخطأ ناسياً أن بعض الأخطاء ضرورية كي يتعلم الإنسان، وأن التجربة التي لا ندفع ثمنها لا تترك فينا الحكمة نفسها.
ليس سهلاً على الأب أن يرى ابنه يتخذ قراراً يخالف ما يراه صواباً.. الأصعب أن يتركه يتحمل نتيجة قراره.. غير أن التربية الحقيقية لا تعني أن نضمن لأبنائنا حياة بلا أخطاء، فهذا أمر لا يملكه أحد.. التربية أن نمنحهم من القيم ما يساعدهم على النهوض بعد السقوط، ومن الثقة ما يعينهم على مواجهة الحياة، ومن المحبة ما يجعلهم يعودون إلينا من غير خوف أو خجل.
قد لا يتحقق للأب كل ما يتمناه لابنه.. ربما لا يختار الابن الدراسة التي أرادها له، ولا المهنة التي تخيلها، ولا الحياة التي رسم تفاصيلها في ذهنه.. وربما لا يكون أكثر ثراءً أو شهرة أو نجاحاً بالمقاييس المتعارف عليها.. فهل يعني ذلك أن أمنية الأب قد خابت؟
ليس بالضرورة. فقد يكون الابن أفضل من أبيه في أشياء لا تقاس بالشهادات والمناصب والأرصدة، قد يكون أكثر رحمة، وأوسع صدراً، وأصدق مع نفسه، وأقدر على الاعتذار، وأقل انشغالاً بالمظاهر، وربما تكون أفضليته في أنه يعيش حياته كما يريدها، لا كما أرادها الآخرون له، فالتفوق الحقيقي لا يعني دائماً أن يصعد الابن درجة أعلى من أبيه على السلم نفسه، وإنما قد يعني أن يختار سلماً مختلفاً، ويصل إلى مكان يشعر فيه بالرضا والسلام.
يخطئ بعض الآباء حين يحولون أمنياتهم إلى ديون يطالبون أبناءهم بسدادها، يذكّرونهم بما قدموه وينتظرون منهم أن يعيشوا وفق الصورة التي رسموها، والحقيقة أن الأبوة عطاء لا ينبغي أن يتحول إلى فاتورة، ومحبة لا يجوز أن تصبح قيداً، نحن لا ننجب أبناءنا كي يعيدوا حياتنا، وإنما كي يضيفوا إلى الحياة تجربة جديدة، تحمل شيئاً منا، لكنها لا تكررنا.
قد لا يحقق الإنسان كل ما يتمناه لابنه، لأن الأمنيات شيء، والأقدار شيء آخر، لكنه يستطيع أن يحقق ما هو أهم؛ أن يكون لابنه سنداً حين تتعثر خطواته، وملاذاً حين تضيق به الدنيا، وصوتاً يقول له إن قيمته لا تتوقف على نجاح أو إخفاق، وحين يفهم الأب ذلك تتغير أمنيته، لا يعود يقول: «أريد ابني أفضل مني»، وإنما يقول: «أريده أفضل نسخة من نفسه»..
عندها فقط يصبح الحب أكثر حكمة، وتصبح الأبوة أكثر نضجاً، ويصبح نجاح الابن ثمرة طريق اختاره هو، وسار فيه مطمئناً، بينما كان أبوه يمشي إلى جواره، لا أمامه ولا خلفه.

 

مقال للكاتب: علي عبيد الهاملي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى