مقالات

أبوظبي ترسم ملامح المستقبل في مواجهة الجريمة وتعزيز العدالة الجنائية

عائشة أحمد البلوشي

أبوظبي

 

 

تستضيف أبوظبي، خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026، مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، في حدث دولي يجمع رؤساء الدول والحكومات والوزراء وممثّلي الدول الأعضاء والخبراء والمتخصّصين، لبحث التحولات المتسارعة في المشهد الإجرامي العالمي، وتعزيز التعاون الدولي وتطوير استراتيجيات أكثر ابتكاراً وفاعلية للوقاية من الجريمة ومكافحتها، وترسيخ نُظم عدالة جنائية أكثر شمولاً وقدرة على الاستجابة للتحديات المستجدَّة.
ويأتي انعقاد المؤتمر في ظِلّ تغيّرات عميقة طرأت على طبيعة الجريمة وأنماطها، مع تنامي قدرة الشبكات الإجرامية على استغلال التطور التكنولوجي والاقتصاد الرقمي وتجاوز الحدود الوطنية. ولم تَعُد الجريمة المنظمة تقتصر على أنماطها التقليدية، بل باتت تشمل الجرائم السيبرانية والاحتيال الإلكتروني والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة والممتلكات الثقافية، فضلاً عن غسل الأموال واستغلال الأصول الافتراضية والمنصّات الرقمية في تنفيذ أنشطة إجرامية متطورة.
ويطرح المؤتمر رؤيةً أوسع لمنع الجريمة، تقوم على معالجة أسبابها الجذرية وعوامل الخطر المرتبطة بها، وربط جهود الوقاية بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وتؤكد الوثائق المطروحة أمام المؤتمر أهمية تطوير استراتيجيات قائمة على الأدلة تراعي الظروف والاحتياجات والأولويات الوطنية، وتعزّز دور المجتمعات المحلّية والمؤسّسات التعليمية والشباب والأسرة، إلى جانب توفير فرص التعليم والتدريب والعمل والدعم الاجتماعي، بما يسهم في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الوقاية من الجريمة، وتعزيز قدرتها على الصمود.
ويؤكد مشروع «إعلان أبوظبي» أن مكافحة الجريمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسيادة القانون والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، مشدِّداً على ضرورة أن تظل الكرامة الإنسانية في صميم تدابير منع الجريمة وإجراءات العدالة الجنائية. كما يدعو إلى تعزيز الوصول إلى العدالة، وتطوير قدرات أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية، وتحسين خدمات المساعدة القانونية ودعم الضحايا وحماية الشهود، مع الاهتمام بالفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
وتحتل الرقمنة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي موقعاً متقدّماً في النقاشات المرتبطة بمستقبل العدالة الجنائية. فالتقنيات الجديدة توفّر إمكانيات واسعة لتحسين التحقيقات وتحليل البيانات وإدارة القضايا والتعامل مع الأدلة الرقمية، لكنها في المقابل تتيح للجماعات الإجرامية أدوات جديدة لتوسيع أنشطتها. ولذلك، يركّز الإعلان على الاستخدام المسؤول والمبتكر للتكنولوجيا، مع التأكيد على أهمية الشفافية والرقابة البشرية وحماية البيانات والضمانات القانونية، بما يضمن الاستفادة من الابتكار دون المساس بالحقوق والحريات.
كما يُولي المؤتمر اهتماماً خاصّاً بتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب والجرائم السيبرانية، من خلال تبادل المعلومات والخبرات والأدلة، وتطوير التحقيقات المالية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، واسترداد عائدات الجريمة، وتعزيز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية والمؤسّسات المعنية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية ومراكز البحث، باعتبارها عنصراً مهماً في تطوير حلول عملية للتحديات المتغيّرة. ويأتي حضور مجموعة تريندز كشريك معرفي في المحتوى المصاحب للمؤتمر ليعزّز البُعد البحثي والفكري للحدث، ويدعم الحوار حول القضايا المرتبطة بمنع الجريمة والعدالة الجنائية، من خلال توظيف المعرفة والتحليل والبحث في فهم التحولات الجديدة واستشراف آثارها.
وتكتسب استضافة أبوظبي للمؤتمر أهميةً إضافية في ضوء اتّساع الحاجة إلى حوار دولي قادر على مواكبة التغيّرات المتسارعة في بيئة الجريمة، وتعزيز التعاون بين الدول والمؤسّسات المعنيّة. ومن المتوقع أن يشكّل «إعلان أبوظبي» إطاراً لتجديد الالتزام الدولي بالوقاية من الجريمة، وتعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وتطوير نُظم العدالة، والاستفادة المسؤولة من التكنولوجيا، ودعم التعاون وتبادل الخبرات والمساعدة التقنية.
ويؤكد المؤتمر، في مجمله، أن مواجهة الجريمة في عالم متغيّر لم تَعُد مسؤولية أجهزة إنفاذ القانون وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تتطلّب تكامل الجهود بين الحكومات والمؤسّسات القضائية والأمنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ومراكز الفكر والبحث.
ومن أبوظبي، يسعى المجتمع الدولي إلى بلورة مقاربات أكثر استباقية وابتكاراً تجعل الوقاية والمعرفة والتعاون والتكنولوجيا أدوات أساسية لبناء منظومات أكثر قدرة على حماية المجتمعات، وتعزيز العدالة، وسيادة القانون، ودعم مَسيرة التنمية المستدامة.

باحثة – مديرة إدارة المشاركات البحثية – مركز تريندز للبحوث والاستشارات.

مقال للكاتبة: عائشة أحمد البلوشي في صحيفة الاتحاد.

زر الذهاب إلى الأعلى