مقالات

الأخلاء بعضهم لبعض عدو..

د. يوسف الشريف

الأخلاء بعضهم لبعض عدو..

هناك مشاهد لم يجعلها الله من طبائع الحياة، ولا من أخلاق الناس، وإنما ادخرها ليوم عظيم، يوم تختل فيه الموازين، وتبلغ فيه النفوس من الهول ما لا تبلغه في غيره.

ومن تلك المشاهد قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.

تأملت الآية طويلاً..

ليس لأن الأخلاء أصبحوا أعداء، فذلك مشهد أخروي فرضه هول الحساب، حتى يتبرأ أهل الباطل من بعضهم، ويلقي بعضهم تبعة ضلاله على بعض. أما من قامت خلتهم على التقوى، فإنها تبقى؛ لأنها لم تكن مبنية على مصلحة عابرة، ولا على هوى زائل.

لكن الذي استوقفني سؤال آخر..

كيف ينجح بعض الناس في صناعة هذا المشهد في الدنيا؟

كيف يستطيع إنسان أن يدخل بين متحابين، أو بين زميلين، أو بين أخوين، فيخرج وقد بدّل نظرة كل واحد منهما إلى الآخر، دون أن يمد يداً، أو يرفع صوتاً، أو يواجه أحداً؟

إنه لا يصنع عدواً لنفسه..

بل يصنع أعداء لغيره.

وهذه من أخطر صور الإفساد؛ لأن الخصومة لا تنشأ من الحقيقة، وإنما من صورة للحقيقة أعاد أحدهم رسمها في عقول الآخرين، حتى يصبح الشك يقيناً، والظن حكماً، والوهم واقعاً.

والأعجب من ذلك أن من يقع ضحية هذا الصنيع قد يكون بريئاً، ثابتاً على الحق، لم يتغير فيه شيء، وإنما تغيرت العيون التي تنظر إليه.

ولهذا كان الاستثناء في الآية بديعاً: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فالتقوى لا تحرس علاقة الإنسان بربه فحسب، بل تحرسه أيضاً من أن يكون أداة في تمزيق علاقات الناس، أو تابعاً لمن يتقن هذا الصنيع.

إن بناء المحبة يحتاج إلى زمن، أما هدمها فقد يحتاج إلى شخص واحد.

ولذلك، فإن أخطر الناس ليس من يختلف معك، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما من يجعلك تختلف مع من لم يكن بينك وبينه إلا المودة.

وهنا يبدأ الخراب..

لا يوم يختلف الناس، بل يوم ينجح أحدهم في أن يجعلهم يختلفون دون سبب.

ذلك مشهدٌ جعله الله استثناءً ليوم القيامة،

فلا تصنعه في الدنيا.

الكانب. د. يوسف الشريف من صحيفة الامارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى