
أجرى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، زيارة دولة إلى ألمانيا، خلال الفترة من 9 إلى 11 سبتمبر الجاري، كانت من أهم وأبرز زيارات الدولة التي حظيت بها ألمانيا. وقد سلّط الإعلام الدولي جلّ اهتمامه على هذه الزيارة التي فتحت فصلاً جديداً في العلاقات بين البلدين، وجاءت لتكلّل الشراكة الإماراتية الأوروبية. فالعلاقة بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي تحوّلت من تعاون بين طرفين تجمعهما المصالح، طرف خليجي صاعد وتكتّل اقتصادي هو الأكبر في العالم، لتصبح اليوم شراكة تُعيد تعريف موقع الإمارات في المعادلة الأوروبية، وموقع أوروبا في الرؤية الإماراتية المستقبلية للعالم المستقبلية.
إن قراءة العلاقات الإماراتية الأوروبية بمنطق الماضي وحده لم تَعُد كافية، فالإمارات اليوم تمتلك قدرةً على التأثير في ملفات تتجاوز حدودها الجغرافية، وتتحرك في الوقت نفسه داخل دوائر الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والدبلوماسية والأمن والعمل الإنساني. فمنذ البدايات، أدركت الإمارات أن بناء الدولة لا ينفصل عن بناء علاقات دولية واسعة ومتوازنة. ومع أوروبا تحديداً، تطوّرت العلاقة من التجارة والطاقة إلى الاستثمار والصناعة والتعليم والثقافة والتكنولوجيا، حيث بنَت الإمارات نموذجاً اقتصادياً جعل منها مركزاً عالمياً يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، ومع مرور الوقت أصبحت محوراً رئيسياً في الاقتصاد العالمي، وفي حركة التجارة ورأس المال والطاقة والتكنولوجيا بين القارات.
وقد اكتسب هذا المسار في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بُعداً أكثر استراتيجية. فالإمارات لم تَعُد تتعامل مع العلاقات الدولية باعتبارها إدارةً للمصالح القائمة، وإنما باعتبارها صناعةً للمصالح المستقبلية. ولذلك فقد اتّسعت الشراكة مع أوروبا لتشمل الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والفضاء، والاقتصاد الرقمي، وحماية المناخ، والاستثمار، وسلاسل الإمداد.. وكلها قطاعات أصبحت في صميم الأمن الاقتصادي الأوروبي.
وكما نعلم، فإن الاتحاد الأوروبي يمتلك قاعدةً صناعية وتكنولوجية وعلمية هائلة، بينما تمتلك الإمارات رأسمالاً استثمارياً، وموقعاً جغرافياً استثنائياً، وشبكات تجارية ولوجستية واسعة، وقدرة على الوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. إنها معادلة تكامل بالدرجة الأولى.وتكشف التطورات الأخيرة حجم هذا التحول. ففي عام 2025 بدأت الإمارات والاتحاد الأوروبي مفاوضات اتفاقية تجارة حرة، تشمل السلع والخدمات والاستثمار والتجارة الرقمية وقطاعات استراتيجية مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والمواد الخام الحيوية. وفي ديسمبر من العام نفسه أطلق الطرفان مفاوضات اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، لتوسيع العلاقة إلى مجالات السلام والاستقرار والاتصال والبحث والابتكار والطاقة والتحول الأخضر والرقمي والذكاء الاصطناعي.
واليوم، تعكس الأرقام عُمق المصالح المتبادلة. فتجارة السلع بين الإمارات والاتحاد الأوروبي بلغت نحو 55 مليار يورو، وتجارة الخدمات نحو 39 مليار يورو، فيما وصلت استثمارات الاتحاد الأوروبي في الإمارات إلى حوالي 186 مليار يورو، لتُصبح الإمارات أكبر شريك استثماري أوروبي في منطقة الخليج. لكن الأهم من الأرقام هو ما وراءها. فأوروبا تنظر إلى الخليج باعتباره نقطة التقاء رئيسية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، والإمارات، باعتبارها من الدول المؤسِّسة لممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، تدخل في قلب الرؤية الجديدة للربط بين القارات. وفي عالم أصبحت فيه الطاقة وسلاسل الإمداد والبيانات والممرات التجارية جزءاً من مفهوم الأمن القومي، تتحول الجغرافيا الإماراتية إلى قيمة استراتيجية عالمية عالية الأهمية.
ولهذا فإن قصة الإمارات وأوروبا هي قصة شريكين يكتشفان أن مصالحهما تلتقي في صناعة عالم جديد.
كاتبة إماراتية
مقال للكاتبة: عائشة المري في صحيفة الاتحاد.



