
في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للسلام، وهي مناسبة تتجدد فيها الدعوة إلى التفكير في السبل الكفيلة ببناء عالم أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً. وقد اختارت الأمم المتحدة لشعار هذا العام: «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم». وهو شعار يختزل حقيقة كبرى، مفادها أن السلام ليس هدنة مؤقّتة، ولا مجرد غياب للحرب، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان، والتعليم، والثقافة، والمؤسسات، والقيم التي تصنع الثقة بين الشعوب. وإذا كان لكل دولة أسلوبها في الاستثمار في السلام، فإن التجربة الإماراتية تقدم نموذجاً متميزاً يقوم على الاستثمار في الإنسان قبل السياسة، وفي الحوار قبل الصراع، وفي بناء الثقة قبل إدارة الخلافات، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن القيم الإنسانية المشتركة هي البنية التحتية الحقيقية لأي سلام مستدام.
عندما وقف سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، أمام الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من سبتمبر 2018، لم يكن يطرح مبادرة للحوار بين الأديان فحسب، بل كان يرسم رؤية إماراتية لمستقبل السلام العالمي، حين قال: «وانطلاقاً من القناعة بأن السلام العالمي الدائم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تحقيق السلام بين الأديان، أطلق منتدى تعزيز السلم مبادرة دولية لبناء تحالف بين ديانات العائلة الإبراهيمية الكريمة والفلسفات العالمية على أسس تتجاوز منطق الجدل الديني والصراع إلى منطق التعارف والتعاون، وتحتكم إلى المواثيق الدولية وروح القيم الإنسانية والفضائل المشتركة». لم تكن تلك الكلمات خطاباً دبلوماسياً عابراً، بل إعلاناً عن خريطة طريق إماراتية تبدأ بالحوار، وتمرُّ بالاعتراف المتبادل والتعاون، وتنتهي إلى الالتقاء حول الفضائل الإنسانية المشتركة بوصفها الأساس الأكثر رسوخاً لبناء السلام.
وتجد هذه الرؤية صداها في المسار الفكري الذي عمل «منتدى أبوظبي للسلم» على ترسيخه. فقد أكد معالي العلّامة الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس المنتدى، في كلمة له في أبوظبي عام 2017 أمام «القافلة الأميركية للسلام»، أن الحوار والتلاقي والتعارف والتفاهم هي «قيم لا غنى عنها لغرس شجرة السلام في العالم». ولخّص فلسفة هذا المسار بقوله: «إن لدينا مشتركات لبناء السلام والمحبة علينا التذكير بها وتقديمها للناس».
ولعل اللافت في هذه الرؤية أنها لم تحصر المشتركات في دائرة دينية ضيقة، بل وسّعت أفقها إلى دائرة العلاقات الإنسانية، وإلى الأديان والفلسفات الكونية التي تُعلي من شأن الحياة وحقوق الإنسان. وفي ذلك تتجلى فكرة جوهرية: أن اختلاف العقائد والثقافات لا يحول دون بناء مساحة أخلاقية مشتركة تستطيع البشرية أن تلتقي فيها، وتتعاون من خلالها، من غير أن تتخلى عن خصوصياتها.
وتستند هذه الرؤية إلى الإرث الذي أرساه المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي جعل من الحكمة، والعدل، والرحمة، والكرم، والعمل الإنساني ركائز لبناء الدولة ورسالة تحملها الإمارات إلى العالم. ثم جاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليمنح هذا الإرث بُعداً عالمياً، انطلاقاً من قناعته الراسخة بأن التعايش والحوار وتعزيز الوعي بالقيم الإنسانية المشتركة بين البشر، على اختلاف أديانهم وأعراقهم وثقافاتهم، هو الأساس الحقيقي للسلام والاستقرار والازدهار.
ومن هنا، لم تَعُد القيم في التجربة الإماراتية مجرد منظومة أخلاقية، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من سياستها الخارجية، وأداة لبناء الثقة، ومنهجاً لتعزيز التعايش، وجسراً للتقارب بين الشعوب. ولعل من أبرز الشواهد الدولية على نجاح هذا النهج ما شهدته احتفالات الولايات المتحدة الأميركية بالذكرى المائتين والخمسين لتأسيسها، حين منحت دولة الإمارات العربية المتحدة جائزة «الآباء المؤسسين» (America 250 Founders’ Promise Award)، تقديراً لإسهاماتها في تعزيز الحرية الدينية، والمواطنة المتساوية، وصون كرامة الإنسان، وبناء السلام والتعايش. ولم يكن هذا التكريم احتفاء بمبادرة عابرة، بل اعترافاً دولياً بأن الاستثمار الإماراتي في الحريات الدينية، والحوار بين الأديان، وبناء الثقة بين المجتمعات، أصبح نموذجاً يحظى بالتقدير على الساحة الدولية.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن يقع الاختيار على أبوظبي لاستضافة الجمعية العالمية الحادية عشرة لمنظمة «أديان من أجل السلام» عام 2027، أحد أكبر التجمعات العالمية متعددة الأديان. فهذا الاختيار لا يعكس الثقة في قدرة الإمارات على تنظيم حدث عالمي فحسب، بل يعبّر عن تقدير دولي لمسيرة جعلت من الحوار نهجاً، ومن التعايش سياسة، ومن السلام مشروعاً حضارياً. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الاستضافة لا تكمن في تنظيم مؤتمر عالمي رفيع المستوى، وإنما في الفرصة التاريخية التي تتيحها لإطلاق مبادرة حضارية جديدة.
وليست الفكرة إنشاء مؤتمر جديد يضاف إلى أجندة المؤتمرات الدولية، وإنما إطلاق منصة عالمية استثنائية تُعقد مرة كل عقد من الزمن، تتوقف عندها الإنسانية لتراجع ما أنجزته في مجالات السلام، والحرية الدينية، والتعايش، والعدالة، وأخلاقيات التكنولوجيا، وتجدد التزامها بالفضائل التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون مستقبل الحضارة. فالعدل، والرحمة، والصدق، والأمانة، والوفاء، واحترام الكرامة الإنسانية، والإحسان، والمسؤولية، ليست قيماً تخص حضارة بعينها، ولا ديناً دون آخر، وإنما هي الرصيد الأخلاقي المشترك الذي أسهم في ازدهار الحضارات عبر التاريخ، والقادر اليوم على أن يمنح العالم لغة جديدة للحوار في زمن تتصاعد فيه أسباب الانقسام.
لقد عرف العالم دافوس بوصفها منصة عالمية للحوار الاقتصادي، وميونيخ بوصفها منصة دولية للحوار الأمني. وربما آن الأوان لأن تعرف أبوظبي بوصفها عاصمة عالمية للحوار حول القيم والفضائل الإنسانية، وأن تصبح «قمة القيم – أبوظبي» إحدى المحطات الحضارية الكبرى التي يعود إليها العالم كل عقد من الزمن، ليقيس ليس فقط ما حققه من نمو اقتصادي أو تفوّق تقني، بل أيضاً ما حققه من تقدم أخلاقي وإنساني.
وفي اليوم الدولي للسلام، لا يبدو شعار الأمم المتحدة لهذا العام مجرد دعوة رمزية، بل برنامج عمل عالمي. ولعل التجربة الإماراتية تقدم دليلاً على أن الاستثمار في السلام يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وفي الحرية الدينية، وفي التعليم، وفي الحوار، وفي بناء الثقة، وفي القيم التي تمنح السلام القدرة على الاستمرار. ولعل في كلمات الشيخ عبدالله بن بيه، قبل نحو عقد من الزمن، ما يلخّص هذا الأفق الإنساني، حين دعا أصحاب النيات الطيبة إلى أن يتحدوا من أجل «المحافظة على شعلة الأمل في مستقبل أفضل للعائلة الإنسانية الكبرى».
واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت المحافظة على تلك الشعلة أكثر إلحاحاً. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على تغيير العالم، ازدادت حاجته إلى القيم التي ترشده إلى أي عالم ينبغي أن يصنع.
فإذا كانت الثورة الصناعية قد غيّرت طريقة عيش الإنسان، وثورة الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل مستقبله، فإن ثورة القيم قد تكون المهمة الكبرى التي تنتظر القرن الحادي والعشرين.
وفي اليوم الدولي للسلام، ربما لم يَعُد السؤال الحقيقي: كيف نوقف الحروب؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نبني الإنسان الذي لا يصنعها؟ ولعل هذا هو الاستثمار الأعمق في السلام، وهذه هي الرسالة التي تقدمها دولة الإمارات إلى العالم: أن السلام يبدأ من القيم، وأن التكنولوجيا مهما بلغت من القوة تحتاج إلى ضمير يوجّهها، وأن مستقبل الإنسان يبدأ حين تلتقي البشرية حول فضائلها.
الأمين العام لمنتدى أبوظبي للسلم.
مقال للكاتب: الشيخ المحفوظ بن بيه في صحيفة الاتحاد.



