
في بداياتي الوظيفية، كنت حريصاً على تعلم وإتقان مهامي الوظيفية ومعرفة اختصاصات قسمي والتعلم من الزملاء الأقدم والأكثر خبرة، بل كنت أحرص على فهم مهام الأقسام الأخرى، ليس من باب التدخل في أعمالهم، بل من باب حب المعرفة والتعلم، واكتساب الخبرة والمهارات، والإلمام بطبيعة عمل المؤسسة بصورة أعمق وأشمل، ما ساعدني ومكنني على البروز مبكراً، وتكليفي بمهام ومسؤوليات أعلى خلال فترة قصيرة.
لكن في البدايات، يأتيك البعض في صورة الناصح، ويبدأ بعبارات تبدو حريصة: «أنا أنصحك»، «لا تتحمس كثيراً»، «لا تبادر أكثر من اللازم»، «الإدارة لا تقدر»، «سيكلفونك ولن يكافئوك»، «لا تتعلم حتى لا تصبح أنت الخيار الأول لكل مهمة»، «لا تنجز أكثر من غيرك»، في ظاهر الكلام نصيحة، لكنه في حقيقته غير ذلك، فهو يزرع الخوف، ويحرض على عدم العمل، ويصنع موظفاً سلبياً خائفاً محبطاً لا ينجز، لا يتحمل المسؤولية، بل معارض وعدائي تجاه كل تكليف جديد.
هنا، يظهر الفرق بين النصيحة الأمينة والنصيحة المضللة، النصيحة الأمينة تفتح لك باباً لمستقبلك، وتزيدك وعياً، وتنبهك من الخطأ ولا تكسر همتك وطموحك، أما النصيحة المضللة عكسها تماماً، تغلق أبواب الحماس والتفاؤل، تدعوك للتمرد والكسل، وتسلبك وعيك، وتحولك إلى شخص سلبي صاحب نظرة سوداوية.
لهذا، أرى أن بيئات العمل يجب أن لا تكتفي بتدريب الموظفين على المهارات الفنية والإدارية، بل لابد من تدريبهم على التفكير المنطقي: كيف يفكرون؟ كيف يحللون؟ كيف يقيمون النصيحة؟ كيف يميزون بين النقد والتحريض، وبين المطالب المشروعة والتمرد، وبين معرفة الحقوق وفن صناعة الأعذار؟
من وجهة نظري، المنطق في بيئة العمل ليس ترفاً فكرياً أو إدارياً، بل ضرورة وحاجة إدارية وأخلاقية، فالموظف الواعي لا يبتلع كل ما يقال له، ولا يرفض النصيحة لأنه لا يحب قائلها، بل يزن الكلام بعقله: هل النصيحة مبنية على دليل أم رأي شخصي؟ هل هدفها التطور أم الجمود؟ هل تحميني أم تعطل؟ هل نتيجتها إنتاج وإنجاز، أم شكوى وسلبية؟
إن أخطر ما في المضللين أنهم لا يهاجمون العمل صراحة، بل يغلّفونه بلغة النصيحة، لا يقولون لك: لا تعمل، يقولون: لا تتعب نفسك، لا يقولون: كن سلبياً، يقولون: كن واقعياً، لا يقولون: عطل العمل، يقولون: لا تعطهم أكثر مما يستحقون، وهكذا تنتشر الطاقة السلبية في بيئة العمل، وتتحول الشكوى إلى ثقافة، والتذمر إلى موقف، والتقاعس إلى ذكاء، والمبادرة إلى سذاجة.
هؤلاء خطرهم لا يقف عند حدود الموظف الذي يستمع إليهم، بل يمتد إلى روح الفريق، وإنتاجية المؤسسة، وثقة الموظفين بالإدارة، وصورة المجتهد، فهم يصنعون جواً ساماً يربك المتحمس، ويخيف المبادر، ويحرج المجتهد، ويمنح المتقاعس مبررات جاهزة، ومع الوقت، تصبح المؤسسة أمام ثقافة خفية تحول كل توجيه إداري إلى معركة، وكل تكليف إلى اتهام، وكل فرصة إلى عبء.
المؤسسات تحتاج إلى موظف واعٍ، يمتلك مهارات التفكير المنطقي يساعده على الفهم والتحليل والتقييم بشكل سليم لكل تكليف ومهمة، فالمنطق يدعو إلى السؤال الرشيد: ما طبيعة التكليف؟ هل هو مؤقت أم دائم؟ هل يضيف إلى خبرتي؟ هل يحتاج إلى تنظيم أو توضيح أو دعم؟ وهل يمكن تنفيذه دون الإخلال بالمهام الأساسية؟ وكيف أضيف قيمة؟
بهذا التفكير يصبح الموظف شريكاً في الحل، لا جزءاً من المشكلة، أما حين يغيب المنطق، فإن أبسط مهمة تتحول إلى استغلال، وكل إدارة تصبح متهمة، وكل زميل مجتهد يصبح ملاماً لأنه «رفع السقف» على الآخرين.
لذلك، فإن إدخال دورات التفكير المنطقي في بيئة العمل حاجة عملية لحماية المؤسسات من التشويش الداخلي، والطاقة السلبية، والنصائح السامة التي تتستر بلباس الحرص، فالمؤسسة التي تعلم موظفيها كيف يفكرون تبني وعياً يحمي الأداء، ويرفع جودة القرار، ويجعل بيئة العمل أكثر نضجاً وإنصافاً.
فليس كل من قال «أنا أنصحك» كان ناصحاً، وليس كل من حذرك كان يريد حمايتك، وليس كل كلام ناعم يكون صادقاً، بعض النصائح لا تريد لك أن تنتبه، بل تريد لك أن تتراجع، ومن يفكر جيداً، يعمل جيداً، ومن يزن النصيحة بعقله، لا يصبح ضحية لمن يزينون التعطيل باسم الحكمة، والتراجع باسم النصيحة، وانتبه ليس كل ناصح أمين.
ونصيحتي لكل موظف، احرص على أداء الأمانة والعمل بكل جهد وإخلاص، واعتبر العمل وتنفيذ الواجبات وأداء المهام واجباً وطنياً، فحب الوطن ليس شعاراً أو كلمات تقال في المناسبات الوطنية بل هو سلوك وفعل يتحقق في ميادين عدة ومنها ميدان العمل.
مقال للكاتب: عبدالعزيز سلطان المعمري في صحيفة البيان.



