مقالات

التنافسية كإستراتيجية للإمارات

عائشة المري

التنافسية

 

 

 

تواصل دولة الإمارات ترسيخَ مكانتها بين أكثر دول العالم تنافسية، إذ حلّت في المركز الخامس عالمياً، فيما استمرت صدارتُها وريادتُها الإقليميةُ للعام العاشر على التوالي، وفق تقرير التنافسية العالمية للعام 2026 الصادر في يونيو الماضي. وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، أن «هذه النتائج ثمرة نهج وطني وكفاءة مؤسسات وجهود فرق عمل في مختلف القطاعات، تنافسيتنا ليست هدفاً مرحلياً، بل عمل مستمر يعزّز جودة الحياة، ويرسّخ الثقة العالمية بدولتنا، ويؤكد أن الإمارات ماضية بثبات نحو مستقبل أكثر ازدهاراً وريادة». وهو التزام راسخ ببناء دولة نموذجية حديثة، وتحويل الرؤية السياسية إلى منظومة متكاملة من التشريعات، والمؤسسات، والحوكمة، والابتكار، والخدمات، ورأس المال البشري، بما يجعل التطور مستمراً والإنجاز مستداماً.
لقد أصبحت التقاريرُ الدوليةُ مرآةً تعكس جودةَ مستوى الحياة في الإمارات، وقدرةَ الدولة على إدارة مواردها، وكفاءة مؤسساتها، وفاعلية سياساتها، ومدى جاهزيتها للمستقبل. ومن هنا، فإن تَصدُّرَ دولة الإمارات تقريرَ التنافسية العالمية لعام 2026 ليس إنجازاً إحصائياً عابراً، بل إعلاناً دولياً بأن نموذج دولة الإمارات قد بلغ مرحلةَ النضج المؤسسي التي تجعل الريادةَ نتيجةً طبيعيةً، لا استثناءً مؤقتاً، حيث تصدَّرت العالمَ في 21 مؤشرا دولياً، فيما جاءت ضمن الخمسة الأوائل في 67 مؤشراً.
ولعل الأهمية الاستراتيجية لهذا الإنجاز تكمن في أنه يعكس نجاحَ الإمارات في بناء ما يمكن تسميته «الدولة عالية الكفاءة». وهي الدولة التي لا تعتمد على الموارد وحدها، وإنما على المعرفة، وسرعة اتخاذ القرار، والمرونة المؤسسية، والاستشراف المبكر للتحولات العالمية. فالتنافسية في مفهومها الحديث ليست اقتصاداً فقط، بل هي الأمن، والتعليم، والصحة، والقضاء، والبنية الرقمية، والاستقرار التشريعي، وجودة الحياة، والثقة بالمؤسسات، وكفاءة الإدارة العامة، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.ومن هنا فإن تصدّر الإمارات يمثّل اعترافاً دولياً بأن نموذجها التنموي تجاوز حدودَ النجاح المحلي، ليصبح نموذجاً تستفيد منه الحكومات والمؤسسات الدولية عند دراسة أفضل الممارسات في مجال الإدارة العامة وفرص صناعة المستقبل. والمؤكد أن هذا الإنجاز جاء حصيلةَ فلسفةٍ قيادية متكاملة، حيث رسَّخ النموذجُ الإماراتي منذ سنوات حقيقةَ أن الحكومة ليست جهازاً لإدارة الحاضر فحسب، وإنما هي أيضاً مؤسسة لصناعة المستقبل. ولذا أصبحت ثقافة الابتكار، والمرونة، والرقمنة، واستباق المتغيرات.. جزءاً أصيلاً من هوية العمل الحكومي الإماراتي.
واليوم أصبحت التنافسيةُ أحدَ أهم عناصر القوة الناعمة للدول. فحين تتصدر الإماراتُ المؤشرات الدولية، فإنها لا تعزّز صورتَها الذهنيةَ فحسب، بل تَرفع مستوى ثقة المستثمرين، وتجذب العقولَ والكفاءات، وتزيد من جاذبية بيئتها الاقتصادية، وترسّخ مكانتَها شريكاً موثوقاً في الاقتصاد العالمي. وهنا يتحول التصنيف الدولي إلى قيمة استراتيجية ذات انعكاسات مباشرة على الاستثمار، والتجارة، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، والصناعات المستقبلية.
إن ما تحقق اليوم ليس مجرد تقدم في مؤشر دولي، بل هو تجسيد لمسيرة حضارية متكاملة، قامت على رؤية قيادية بعيدة المدى، واستثمار استثنائي في الإنسان، وبناء مؤسسات تمتلك القدرة على التجدد والابتكار والتكيف مع المتغيرات العالمية. ولذا فإن الحديث عن الإمارات لم يَعُد حديثاً عن دولة تنافس العالمَ، بل عن دولة تسهم في إعادة تعريف معايير التنافسية العالمية نفسها. وهكذا، فالإنجاز الحقيقي لا يتمثل في احتلال المركز الأول، بل في ترسيخ نموذج وطني أثبت أن الطموح عندما يقترن بالرؤية، والإدارة، والابتكار، والإرادة السياسية، يتحول إلى واقع يفرض احترامَه على العالم. وهذه هي الرسالة الأعمق التي يحملها تصدّر الإمارات للتنافسية العالمية.

 

كاتبة إماراتية

مقال للكاتبة: عائشة المري في صحيفة الاتحاد.

زر الذهاب إلى الأعلى