مقالات

التهديد.. حيلة نفسية

د. محمد النغيمش

التهديد
استخدمت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية «جيشاً وهمياً» بمعدات مطاطية قابلة للنفخ واتصالات مزيفة لتضليل الألمان حول حجم قواتها، الأمر الذي أسهم في إنقاذ آلاف الجنود.

 

وأثار الجيش الأمريكي الرعب في نفوس الفيتناميين إبان حربهم في أدغال فيتنام، من خلال مكبرات الصوت الخفية، التي أطلقت أصوات أشباح وأرواح تحذرهم من خطر فقدان أرواحهم، وضرورة إلقاء أسلحتهم، والعودة إلى ديارهم قبل فوات الأوان.

اعتبر ذلك السلوك تهديداً نفسياً متعمداً، وكان جزءاً من عملية «الروح التائهة»، بهدف تحطيم معنويات الجنود في حرب فيتنام، وكان التهديد الصوتي فعالاً، حيث تُولي الثقافة الفيتنامية اهتماماً لتقديس الأجداد والإيمان بوجود الأرواح والأشباح، فإذا لم يدفن الشخص وفقاً للطقوس التقليدية، يُقال إن روحه تجوب بين الأحياء بمشاعر ألم أبدية، بحسب تقرير لمجلة «فورين بوليسي».

 

التهديد هو إشارة أو فعل يسبب شعوراً بالخوف، والقلق، والتوتر، وغالباً ما يؤدي إلى تحفيز استجابات الدفاع أو الهروب، ولا يقتصر التهديد على الأذى الجسدي؛ بل منه ما هو اجتماعي ولفظي وضمني (غير مباشر)، وفي الحالات الاجتماعية يشمل التهديد كل ما يُسبب للشخص الشعور بفقدان السيطرة أو التعرض للأذى النفسي أو المعنوي، ومن التهديد غير المباشر، استعراض القوة العسكرية أو الاقتصادية أو البدنية أو العلمية.

 

أثر التهديد لا يقاس بما يحدث فعلاً، بل بما يتوقع الإنسان حدوثه، فعقولنا مصممة على التقاط الخطر قبل اكتماله، ولذلك قد تكفي إشارة صغيرة أو نبرة حادة أو تلميح غامض لتفعيل سلسلة التساؤلات والمشاعر الداخلية مثل: ماذا سيضيع؟ من سيقف معي؟ وما الثمن إن تجاهلت الرسالة؟ هنا تصبح المسافة بين الواقع والخيال قصيرة، ويبدأ الإنسان في التصرف لا على أساس الحقيقة، بل على أساس السيناريو الأسوأ، الذي بناه في ذهنه، ولهذا يستخدم بعض الأذكياء الغموض عن عمد، لأنه يترك للطرف الآخر مهمة تضخيم الخطر بنفسه، غير أن الإفراط في هذا الأسلوب يفسد العلاقات ويزعزع الثقة، فمن يعمل تحت تهديد دائم ينشغل بالنجاة لا بالإبداع، والابن الذي يربى على الوعيد يتعلم الخضوع لا المسؤولية، لذلك يفرق الناضجون بين التحذير المشروع والتهويل القاهر: الأول يحمي الحدود، والثاني يصنع خصوماً كثر.

 

في العلاقات الشخصية، يعد تهديد الوالدين بحرمان الأبناء من المصروف أو الأنشطة المفضلة وسيلة شائعة لفرض الانضباط، وفي الحياة المهنية قد يهدد المدير بتقليص الرواتب أو الترقية لمنع الموظفين من تقديم شكوى، أو رفع الإنتاجية، كما يعتبر التهديد بالإفصاح عن معلومات سرية بين الشركاء التجاريين مثالاً على التلاعب النفسي للضغط على الطرف الآخر، لتحقيق مكاسب إضافية.

 

كل ما يقوم به الإنسان من حيل تهديد أو تخويف هي في الأصل مدفوعة بالرغبة في السيطرة، أو الخوف من الفقدان، وربما التعويض عن هشاشة داخلية.

 

ليس كل من يزأر أسداً، فبعض الصراخ على قدر الألم، والتهديد الفعال هو القابل للتنفيذ، والذي يخسر على أثره المتلقي شيئاً ما يهمه، ولا بد أن يكون واضحاً ومباشراً، كما أنه ينبغي أن يكون في التوقيت الصحيح.

التهديد جزء من تكتيكات المواجهة، لكنه يجب أن يؤخذ على محمل الجد قبل فوات الأوان، فحين يُطلق التهديد يتشكل واقع جديد يقود في كثير من الأحيان إلى نتائج غير متوقعة.

 

في نهاية المطاف، يبقى الخوف أداة خطرة قد تردع خصماً أو تضبط سلوكاً، لكنها حين تُستعمل بلا حكمة تترك ندوباً عميقة لا تندمل، فالتهديد لا يصنع ولاء حقيقياً، بل يفرض صمتاً مؤقتاً وقاهراً، وما يُبنى على الرهبة، غالباً ما ينهار عند أول لحظة يشعر فيها المرء بالأمان النفسي.
مقال للكاتب: د. محمد النغيمش في صحيفة البيان.
زر الذهاب إلى الأعلى