مقالات

الحرب التي تذهب إلى ختامها

سليمان جودة

الحرب

 

 

من المؤشرات التي نراها أمامنا، نجد أن الحرب الروسية الأوكرانية تبدو في هذه اللحظات وكأنها ذاهبة الى نهاية لها.
فالحرب كانت قد دخلت عامها الخامس في 24 فبراير من هذه السنة، ورغم استمرارها كل هذه السنوات، فإنها تبدو بغير طرف منتصر بين طرفيها، وإذا قلنا إن الطرف الأوكراني أقرب إلى الانتصار فيها منه إلى الهزيمة، وإن الطرف الروسي أقرب إلى الهزيمة فيها منه إلى الانتصار، فلن نكون بعيدين عن ظل من ظلال الحقيقة.

ذلك أن روسيا بجلالة قدرها، وبوصفها الوريث الأكبر للاتحاد السوفييتي السابق بكل سلاحه، وسطوته، وجبروته، وثرواته، وأراضيه الممتدة بغير حدود، لم تستطع في حقيقة الأمر إحراز نصر حقيقي يتناسب على الأقل مع كونها روسيا لا أي دولة.
قد تكون قد أحرزت نصراً، ولكنه نصر صغير لا يتناسب مع وضعها الدولي، وقد تكون قد ضمت قطعة من الأراضي الأوكرانية، ولكن هذه القطعة أو المنطقة المنضمة ليست هي الحصيلة التي يمكن أن يقال عنها إنها حصيلة ما يقرب من خمس سنوات من القتال.

وفي المقابل تبدو أوكرانيا منتصرة أو كالمنتصرة، وإذا لم يكن انتصارها إلا الصمود في وجه روسيا، وإلا التمسك بأرضها كاملة، فهذا يكفي وربما يزيد.. ولكن للأمانة فإن أوكرانيا لم تكن تحارب بمفردها منذ بدء الحرب، وإنما كانت إلى جوارها أوروبا كاملة ولا تزال، وكانت إلى جوارها الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً إلى ما قبل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في رئاسته هذه الثانية، وباختصار، فإنه يمكن القول إن أوكرانيا كانت في هذه الحرب مستطيعة بغيرها.
ولكن هذا بدوره لا ينفي صموداً أوكرانياً ظاهراً للعيان، ولا ينفي أن الرئيس الأوكراني كان يقاتل بكل ما يستطيعه رغم حداثة عهده بالسياسة عموماً وبالقتال خصوصاً، فلقد انقلب من ممثل كوميدي قبل دخول القصر، إلى مقاتل سياسي من الدرجة الأولى في مكتبه في القصر، وإلى محارب شرس على الجبهة، وإلى راغب في أن تضع هذه الحرب أوزارها بينما أرض أوكرانيا هي نفسها أرضها التي كانت لها قبل أن يُطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شرارة الحرب في الرابع والعشرين من فبراير 2022.
وللأمانة أيضاً، فإن بوتين كان على بعض الحق وهو يطلق شرارة الحرب، فالأوروبيون كانوا يقتربون من حدوده من خلال وجودهم في أوكرانيا بأكثر من اللازم، وهذا وجود يظل يوقظ لديه الكثير من المخاوف والهواجس التي لا تفارقه لا في يقظة ولا في نوم!
وحين طالعنا قبل أيام أن الرئيس الأوكراني طلب من الجيش استهداف روسيا بألف طائرة مُسيرة في كل يوم، فإن الأمر بدا وكأن مدداً ضخماً قد وصل أوكرانيا من أوروبا، وربما من الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، التي لم تعد تنتصر للروس في الحرب كما كان الحال عند مجيء ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الثانية في يناير قبل الماضي.
ونحن نعرف أنه كان قد أرسل مدير مخابراته المركزية «سي آي إيه» إلى موسكو قبل أيام، وكانت زيارة غامضة كما نذكر، ولكن غموضها سرعان ما تبدد عندما عاد مدير المخابرات المركزية الأمريكية من زيارته إلى واشنطن، فقيل علناً في الإعلام إن الرئيس الأمريكي أرسله ليحذر بوتين من إقدامه على مهاجمة أي بلد أوروبي.
ولا معنى لهذا إلا أن الرئيس الروسي الذي كان يجد ترامب إلى جانبه قبل ما يقرب من العامين، أو كان يجده قريباً منه ومتفهماً له على الأقل، قد اكتشف أن سيد البيت الأبيض لم يعد كذلك، وأنه عاد كسابقيه من الرؤساء الأمريكيين ليصطف إلى جوار القارة الأوروبية، باعتبارهما حليفين عتيدين على شاطئي المحيط الأطلسي.
نضع في مقابل هذا كله ما قيل في روسيا في الساعات الأخيرة عن أن الضربات الأوكرانية أصابت البنية التحتية الروسية في مقتل في مواقع كثيرة، فيتبين لك أن حديث بوتين عن اتصالات روسية أوكرانية مباشرة هو حديث في سياقه الصحيح، وأنه حديث يشير إلى أن هذه الحرب التي لا ضرورة لها منذ بدايتها قد تكون ذاهبة إلى ختامها.

 

 

مقال للكاتب: سليمان جودة في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى