مقالات

الخليج وإيران… هل بُني الأمن على فرضية خطأ؟

محمد الحمادي

الخليج وإيران... هل بُني الأمن على فرضية خطأ؟

نشر السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العماني، مقالاً مهمّاً في صحيفة لوموند الفرنسية، دعا فيه إلى مراجعة النظام الأمني الذي تشكّل في الخليج منذ عام 1979، معتبراً أن سياسة احتواء إيران قامت على فرضية خاطئة، وأن الوقت قد حان للانتقال من منطق الاحتواء إلى منظومة أمنية إقليمية تضم جميع الدول المطلة على الخليج.

من ناحية المبدأ يبدو هذا الطرح منطقياً، كما أنه يستحق النقاش، فالشرق الأوسط يتغير، وما بدا ثابتاً لعقود أصبح اليوم محلّ مراجعة، خصوصاً أن فكرة بناء منظومة أمن إقليمي تضم دول الخليج والعراق وإيران سبق وتم طرحها مراراً بوصفها خياراً أكثر استدامة من الاعتماد الطويل على القوى الخارجية.

لكن قبل أن نناقش ما إذا كانت سياسة الاحتواء قد أخطأت، ينبغي أن نسأل سؤالاً منطقياً وهو لماذا ظهرت هذه السياسة ولماذا انتهجتها دول الخليج؟

فكما هو معروف أن السياسات الأمنية لا تنشأ في الفراغ، ولا تختار الدول مصادر تهديدها بإرادتها، بل تستجيب لوقائع تفرضها البيئة السياسية والأمنية والجغرافية، ومن هنا تبدو الملاحظة الأساسية على هذا الطرح هي أنه ركز على سياسة الاحتواء، بينما لم يتوقف بالقدر نفسه عند السلوك الذي أوجدها.

لم يكن الخلاف بين الخليج وإيران نتيجة تنافس تقليدي بين دول جارة، فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، قدّم النظام الإيراني نفسه باعتباره مشروعاً يتجاوز حدود الدولة الوطنية، قائماً على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ الإقليمي، واللافت أن ذلك لم يبق مجرد خطاب سياسي، بل تحول إلى سياسات كانت ومازالت لها آثار واضحة في المنطقة.

في العراق مثلاً ارتبط النفوذ الإيراني بتعاظم دور قوى مسلحة رسخت الانقسام الطائفي، وفي سوريا أصبح التدخل الإيراني أحد عوامل إطالة أمد الحرب وتهجير الشعب، وفي لبنان تحوّل حزب الله، بدعم مباشر من طهران إلى قوة تتجاوز مؤسسات الدولة، أمّا في اليمن فقد أسهم دعم الحوثيين في إطالة حرب مازال يدفع ثمنها الشعب اليمني ودول المنطقة.

واللافت أن المواجهة لم تعد تعتمد على الوكلاء، فما تشهده دول الخليج في الأشهر الأخيرة هو اعتداءات إيرانية مباشرة تستهدف منشآتها الحيوية وممراتها الاستراتيجية، وهنا تبرز مفارقة أخرى… فيبدو أنه أثناء الإعداد لنشر مقال الوزير البوسعيدي التي تدعو إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الإدماج كانت سلطنة عُمان تتعامل مع تداعيات هجمات إيرانية بطائرات مسيّرة استهدفت أراضيها، وهذه الواقعة تؤكد أن الثقة تظل الشرط الأول لأي منظومة أمنية جديدة، وأن بناءها يسبق الحديث عن إعادة صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي.

وفي خضم هذا الحديث لا بد أن يبرز ملف الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، فمنذ احتلالها عام 1971، رفضت إيران جميع المبادرات الإماراتية لتسوية النزاع بالحوار أو عبر محكمة العدل الدولية، وإذا كانت طهران تطمح إلى أن تكون شريكاً في أمن الخليج، فإن احترام سيادة الدول والاحتكام إلى القانون الدولي يجب أن يكونا نقطة البداية.

وقد لا يكون السؤال الأساسي، هل أخطأت دول الخليج في احتواء إيران؟ بل السؤال هو هل قدّمت إيران، خلال ما يقارب من نصف قرن، ما يدفع جيرانها إلى تبني سياسة مختلفة؟

فالواقع أن دول الخليج، طوال العقود الماضية انطلقت من أولويات واضحة وهي حماية الحدود، والحفاظ على استقرار الدول، وتأمين الطاقة والممرات البحرية… وفي المقابل، ارتبطت السياسة الإيرانية، بتوسيع النفوذ عبر التابعين المسلحين وإعادة تشكيل موازين القوى في عدد من الدول العربية، ولذلك قد يرى المقال أن دول الخليج «أخطأت» أحياناً في إدارة الخطر الإيراني، لكن الثابت أن إيران هي التي وفرت، في الجانب الأكبر من سياساتها، الأسباب التي جعلت سياسة الاحتواء تبدو الخيار الأقل مخاطرة.

ومع كل ماسبق، ورغم هذا التاريخ إلا أن العقل والمنطق والحكمة تقول إنه لا يجب أن يكون الماضي سبباً لرفض فكرة الأمن الإقليمي، على العكس، قد تكون منظومة أمنية تضم جميع دول الخليج هي الخيار الأكثر استدامة للمستقبل، لكن نجاحها لن يتحقق إذا اقتصر النقاش على مطالبة دول الخليج بتغيير فرضياتها الأمنية، بينما يبقى السلوك الإيراني على حاله!

فإذا كان الخليج مطالباً بمراجعة بعض سياساته، فإن إيران مطالبة بالقدر نفسه بمراجعة مشروعها الإقليمي، واحترام سيادة الدول، والتوقف عن توظيف الميليشيات، وتسوية القضايا العالقة، وفي مقدمتها الجزر الإماراتية الثلاث، بالوسائل السلمية والقانونية.

أخيراً.. أتفق تماماً مع الوزير البوسعيدي في أنه ربما آن الأوان فعلاً لإعادة التفكير في النظام الأمني الخليجي، لكن إعادة التفكير لا تعني إعادة كتابة التاريخ.. فالسياسات تخضع للمراجعة، أما الوقائع فلا يمكن تجاوزها، والطريق إلى أمن إقليمي مستقر لا يبدأ فقط بتغيير نظرة الخليج إلى إيران، بل يبدأ أيضاً بتغيير إيران للسلوك الذي جعل سياسة الاحتواء، طوال نصف قرن، تبدو خياراً دفاعياً أكثر منها خياراً سياسياً.

الكاتب.  محمد الحمادي من صحيفة الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى