
تؤدي جمعيات النفع العام في دولة الإمارات دوراً مهماً في خدمة المجتمع، بأنشطتها الثقافية والاجتماعية والإنسانية والمهنية، وتسهم في تعزيز العمل التطوعي وترسيخ قيم المسؤولية المجتمعية، إلا أن كثيراً من هذه الجمعيات تواجه اليوم تحدياً حقيقياً يتمثل في محدودية الدعم المالي، الذي بقي في عدد كبير من الحالات عند مستوياته منذ سنوات طويلة، رغم التغيرات الاقتصادية الكبيرة وارتفاع كلف التشغيل والإيجارات والخدمات والمواد والأجور خلال العقدين الماضيين.
وفي المقابل، شهدت الدولة تطوراً نوعياً في منظومة الرقابة المالية والحوكمة، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية، وفي مقدمتها معايير مجموعة العمل المالي (FATF)، الرامية إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح.
وقد انعكس ذلك إيجاباً على تعزيز الشفافية وحماية القطاع غير الربحي، وهو توجّه وطني يستحق الإشادة والدعم.
غير أن تطبيق معايير رقابية أكثر دقة يستلزم أيضاً توفير الإمكانات التي تساعد الجمعيات على الالتزام بها، فمن الصعب مطالبة الجمعيات بتطوير أنظمتها الإدارية والمالية، واستقطاب الكفاءات، وتنفيذ برامجها المجتمعية بكفاءة، بينما تبقى مواردها المالية محدودة ولا تواكب المتطلبات الجديدة.
ومن واقع تجربتي في العمل ضمن الجمعيات ذات النفع العام، أرى أن الوقت قد يكون مناسباً لدراسة إنشاء هيئة اتحادية متخصصة لدعم هذا القطاع، تكون بمنزلة وعاء مالي يجمع مصادر التمويل الحكومية والمجتمعية ويوزعها وفق معايير واضحة وشفافة، مع متابعتها في الوقت نفسه للأداء المالي والحوكمة، والتأكد من حسن استخدام الأموال العامة.
إن وجود مثل هذه الهيئة سيحقق هدفين: الأول، تمكين الجمعيات من أداء رسالتها المجتمعية بكفاءة واستدامة، والثاني، تعزيز الرقابة المالية عبر جهة متخصصة تمتلك الخبرة والأدوات اللازمة للمتابعة والتقييم.
لقد أثبتت دولة الإمارات قدرتها على بناء مؤسسات متميزة تجمع بين التنمية والحوكمة. ومن هذا المنطلق، فإن تطوير منظومة تمويل الجمعيات ذات النفع العام لن يكون مجرد زيادة في الدعم، بل هو استثمار في مؤسسات وطنية تمثل شريكاً أساسياً في التنمية، وتستحق أن تمتلك من الإمكانات ما يعينها على مواصلة خدمة المجتمع وفق أعلى معايير الكفاءة والشفافية.
الكاتب. عمر عبيد غباش من صحيفة الخليج.



