
تشهد أوروبا هذا الصيف موجات حر غير مسبوقة، تجاوزت فيها الحرارة 45 درجة مئوية في جنوب القارة، ولامست حدوداً لم تكن مألوفة حتى في دول البحر المتوسط. مدن مثل أثينا وروما ومرسيليا سجّلت مستويات حرارة قياسية، فيما أُغلقت مواقع سياحية، وتوقفت حركة النقل في بعض المناطق، وارتفعت حالات الإجهاد الحراري إلى معدلات مقلقة. هذه الظاهرة ليست حدثاً عابراً، بل جزء من سلسلة تحولات مناخية تتسارع بينما ينشغل العالم بصراعاته الجيوسياسية، في وقت يتراجع فيه الاهتمام الدولي بالمناخ لصالح ملفات أخرى أكثر ضجيجاً، في مقدمتها التوترات السياسية والعسكرية التي باتت تهيمن على المشهد العالمي.
لقد أعادت الحروب الممتدة من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط تشكيل أولويات العالم، فارتفع الإنفاق العسكري العالمي بنسبة 9% خلال عام واحد، وتراجعت تغطية الإعلام لقضايا المناخ بنسبة 40% مقارنة بعام 2021، بينما ارتفعت كلفة الشحن البحري عبر البحر الأحمر بنسبة تجاوزت 300% بسبب التوترات الأمنية. وفي ظل هذا المشهد، أصبح مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية – محوراً يومياً في الإعلام الدولي، بينما تراجع الحديث عن الانبعاثات والحياد الكربوني والتحولات المناخية. العالم اليوم يتعامل مع المناخ بوصفه قضية مؤجلة، بينما يتعامل مع الجغرافيا السياسية بوصفها قضية طارئة، وهو ما يعكس خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات الدولية.
هذا التحول في الاهتمام انعكس أيضاً على المؤسسات المناخية الدولية التي كانت قبل سنوات تتحدث بلغة صارمة عن ضرورة خفض الانبعاثات بنسبة 45% بحلول 2030، لكنها أصبحت اليوم أكثر ميلاً إلى خطاب هادئ يركّز على الاستدامة بدلاً من التحوّل المناخي. فالتمويل المناخي تراجع بنسبة 12% في 2024 لصالح الإنفاق العسكري والإنساني، ودول عديدة أعادت تشغيل محطات الفحم والغاز لتأمين احتياجاتها الطارئة، فيما لا تستطيع الدول المنخرطة في صراعات الالتزام بتعهدات مناخية مكلفة. وهكذا تحوّل الخطاب المناخي من لغة الالتزام إلى لغة المرونة، ومن الحديث عن الحياد الكربوني إلى الحديث عن الاستدامة، وهي صيغة أقل حساسية سياسياً واقتصادياً، لكنها أيضاً أقل قدرة على مواجهة التحديات المناخية المتسارعة.
وما يزيد المفارقة وضوحاً أن تراجع الاهتمام لا يعني تراجع الخطر، بل على العكس، تتسارع المؤشرات المناخية بشكل غير مسبوق. فمتوسط حرارة الأرض بين 2026 و2030 يُتوقع أن يتراوح بين 1.3 و1.9 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، واحتمال تجاوز حد 1.5 درجة مئوية مؤقتاً خلال السنوات الخمس المقبلة يصل إلى 91%. كما ارتفع عدد الظواهر المناخية المتطرفة بنسبة 50% خلال ثلاثة عقود، وارتفع مستوى البحار بنحو 20 سم منذ 1900، ونصف هذا الارتفاع حدث خلال الثلاثين سنة الأخيرة فقط، فيما أصبحت المحيطات أكثر حموضة بنسبة 30% مقارنة بالعصر الصناعي، ما يهدد السلاسل الغذائية البحرية ويضع الدول الساحلية أمام تحديات وجودية.
ورغم هذا الاضطراب العالمي، بقيت الإمارات ثابتة في موقفها تجاه المناخ، مدركة أن التحولات البيئية لا تنتظر استقرار السياسة الدولية. فعلى الرغم من تأثرها المباشر بما يحدث في المنطقة من توترات في الممرات البحرية وارتفاع تكاليف الطاقة، وكونها جزءاً من المشهد الجيوسياسي المحيط بمضيق هرمز، فإنها واصلت العمل وفق رؤية واضحة تجمع بين الاستدامة والأمن الاقتصادي. فقد رفعت الدولة استثماراتها في الطاقة النظيفة إلى أكثر من 70 مليار دولار خلال العقدين الماضيين، وأطلقت مشاريع استراتيجية مثل «الحياد المناخي 2050»، ووسّعت قدراتها في الطاقة الشمسية لتصبح من بين الأعلى عالمياً من حيث الكفاءة والكلفة. كما حافظت الإمارات على دورها الدولي في قيادة الحوار المناخي، وهو ما ظهر جلياً في استضافتها مؤتمر COP28 الذي شكّل نقطة تحول في مسار التفاوض العالمي، وأعاد التأكيد على أن المنطقة قادرة على تقديم نموذج متوازن يجمع بين التنمية والالتزام المناخي، حتى في لحظات الاضطراب السياسي. إن هذا الثبات في النهج يعكس إدراكاً عميقاً بأن المناخ ليس ملفاً يمكن تأجيله، بل قضية وجودية تتطلب عملاً مستمراً مهما كانت الظروف المحيطة.
موجات الحر التي تضرب أوروبا اليوم ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل رسالة واضحة بأن المناخ يتحرك بسرعة تفوق قدرة العالم على الاستجابة. وإذا كان الضجيج السياسي قد غطّى على صوت المناخ مؤقتاً، فإن البيانات تؤكد أن هذا الصوت سيعود أقوى، لأن التحولات المناخية لا تنتظر هدوء السياسة كي تستمر. إعادة المناخ إلى مركز النقاش ليست خياراً، بل ضرورة استراتيجية، خاصة في منطقة مثل الخليج التي تقف في قلب معادلة الطاقة العالمية، وفي قلب التحولات المناخية أيضاً.
الكاتب. د. عبدالله بلحيف النعيمي من صحيفة الخليج الاماراتية.



