سردية القرار الوطني
عمر عبدالله الشبلي
لم تعد القرارات تُقرأ فقط من بياناتها الرسمية، بل من السرديات التي تُبنى حولها، تبرز الدولة الوطنية بوصفها كياناً لا يكتفي بصناعة القرار، بل بإنتاج معناه أيضاً، فالدولة الحديثة القائمة على السيادة والمصلحة الوطنية تحتاج إلى إعلامٍ واعٍ يواكبها.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة خروج دولة الإمارات من منظمة «أوبك» و«أوبك بلس» ليس فقط كقرار اقتصادي، بل كفعل سيادي يعكس نضج الدولة وقدرتها على إعادة تموضعها وفق متغيرات المرحلة، فالدولة التي بنت نموذجها على التوازن والمرونة، تدرك أن التحولات العالمية في الطاقة والاقتصاد تتطلب قرارات تتجاوز الأطر التقليدية، وتُعيد تعريف موقعها في المشهد الدولي.
هنا، تتقاطع هذه الخطوة مع ما تطرحه نظريات بناء الهوية الوطنية، وعلى رأسها طرح المفكر Benedict Anderson، الذي يرى أن الدول لا تُعرّف فقط بحدودها الجغرافية، بل بما تُنتجه من سردية مشتركة تشكّل وعي مواطنيها في القرار السيادي حين يُقدَّم ضمن سياق وطني متماسك، يتحول إلى عنصر من عناصر الهوية، يعزز الشعور بالثقة والانتماء، ويؤكد قدرة الدولة على اتخاذ ما يلزم في الوقت المناسب.
ويأتي دور الإعلام الإماراتي في هذا السياق بوصفه فاعلاً مركزياً في بناء هذه السردية، إذ لم يكتفِ بنقل الخبر، بل قدّم تفسيراً عميقاً لأبعاده، رابطاً إياه برؤية الدولة الاقتصادية وبمسارها نحو التنويع والاستدامة، كما أسهم في تحويل القرار من حدث اقتصادي إلى قصة وطنية تُبرز الاستقلالية، وتُعلي من قيمة التخطيط الاستراتيجي.
ولعل ما يميز هذه المعالجة الإعلامية هو قدرتها على تحقيق التوازن بين الشرح والتحليل وبين الطمأنة والوعي، بحيث يشعر المتلقي أن ما يحدث ليس مفاجئاً، بل امتداد طبيعي لمسار دولة تتحرك بثقة وتُعيد رسم خياراتها بما يتناسب مع مصالحها العليا.
لذلك تبدو الإمارات وهي تعيد تشكيل موقعها في سوق الطاقة، دولةً تتحرك بمحض إرادتها، مستندة إلى قراءة دقيقة للواقع، وإلى رؤية لا تنفصل فيها السياسة عن الاقتصاد ولا القرار عن هويته الوطنية.
إنها لحظة تُثبت فيها الدولة الوطنية أن قوتها لا تكمن فقط في ما تملكه، بل في قدرتها على أن تختار.. وأن تروي لماذا اختارت.
متخصص في الاتصال والإعلام
مقال للكاتب: عمر عبدالله الشبلي في صحيفة الإمارات اليوم.



