
صار الأطفال يخرجون من البيت وهم داخله إلى عالم صغير في شاشة، لكنه أكبر من أعمارهم. كان الطفل يعود بغبار اللعب، لا بغبار الشاشة. أما اليوم فالطفولة تُقضى في مكان لا نراه، لكنه يعرف أبناءنا.
حين نطالب بقانون يمنع أو يقيّد استخدام من هم دون الخامسة عشرة لمنصات التواصل، فنحن لا نخرج الطفل من العصر، بل نضع حداً بين فضول طبيعي وعالم صُمم ليعرف نقاط ضعفه قبل أن يعرفها هو. فالطفل قبل هذا العمر لا يمتلك النضج الكافي لتمييز الترفيه من الاستدراج، ولا المقارنة من الأذى، ولا الشهرة من الفخ.
نحن لا نواجه تطبيقاً بريئاً، بل صناعة تبيع انتباه الطفل كمنتج. كما لا نسمح له بقيادة سيارة قبل سن معينة، لأن الطريق أكبر من خبرته، والشاشة طريق آخر بلا إشارات ولا أرصفة آمنة.
المنصات لا تنتظر الطفل حتى ينضج. تلاحقه الإشعارات، تغريه المقاطع القصيرة، تدفعه إلى المقارنة، وتفتح أمامه أبواباً كثيرة: تنمر واستعراض، ومحتوى مؤذٍ، وصورة مزيفة عن الجمال والنجاح.
والأخطر أن الضرر لا يأتي دفعة واحدة. يأتي هادئاً: نوم أقل، وحركة أقل، وحديث أقل مع الأسرة، وتركيز أضعف، وحساسية تجاه الشكل والرأي والتعليق، فنكتشف أن الطفل موجود بيننا جسداً، لكنه يعيش في مكان آخر.
الأهل يحاولون لكن كيف تراقب أسرة واحدة عالماً، وخوارزمية لا تنام، ومنصة صُنعت لتعيده كلما ابتعد؟ الأسرة تربّي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفاوض خوارزمية.
لذلك فالتقييد القانوني ليس ترفاً، بل إطار حماية يخفف العبء عن الأسرة، ويضع المسؤولية على المنصات التي تصمم التجربة وتستفيد منها. وحين تتجه دول إلى تشديد الحدود العمرية، فهي لا تعادي التكنولوجيا، بل تعترف بأن الطفل لا يجوز أن يُترك وحده في سوق الانتباه. نحتاج إلى حد عمري، وموافقة أبوية حقيقية، ومنع الإعلانات الموجهة للأطفال، ومحاسبة المنصات.
لسنا مطالبين بأن نسحب الطفل من المستقبل، بل أن نسحب الخوارزمية من طفولته، فالقانون هنا لا يصادر الهاتف، بل يعيد الطفل إلى عمره.
إعلامي
مقال للكاتب: عيسى عبدالله الزرعوني في صحيفة الإمارات اليوم.



