مقالات

فانس ومتغيرات السياسة الخارجية الأمريكية

منصور جاسم الشامسي

فانس

 

 

نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس (42 عاماً، كاتب، سياسي وصحفي وقانوني) يميل إلى الدبلوماسية والحلول السياسية أكثر من الحرب والحلول العسكرية، وقد يزيد دوره السياسي، بناء على مُتَغيرات سياسية داخلية أمريكية مفصلية. في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 سوف تُجرى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية حيث سيتم التنافس على جميع مقاعد مجلس النواب الأمريكي البالغ عددها 435، و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي لتحديد الكونجرس الأمريكي رقم 120. وستُجرى أيضاً 39 انتخابات لاختيار حكام الولايات والأقاليم في الولايات المتحدة، فضلاً عن الانتخابات المحلية والولائية. وإذا انتصر الديمقراطيون وأصبحوا أغلبية الكونغرس سوف تضعف سُلطة الرئيس ترامب التنفيذية والجمهوريين، وقد تبدأ تحقيقات تشريعية تُخضع الرئيس ترامب للمُساءلة، وربما يتعرض للعزل، وعندها، يتولى نائب الرئيس، فانس، منصب الرئاسة الأمريكية، دستورياً، ويُكمل الفترة المتبقية من ولاية ترامب، حتى يناير 2029، وسيُشكل فانس سياسة خارجية أمريكية تعكس رؤيته، منها، إنهاء الصراع الأمريكي – الإيراني، سياسياً وسلميّاً، رغم اللوبيات المناوئة.
مؤخراً، استقرأ فانس مُعطيات حقيقية لاتفاق سياسي يُوقف المواجهة الأمريكية – الإيرانية، المُستجدة، منذ 8 يوليو الجاري، وتزداد حدةً وتعقيداً واتساعاً خالقةً أزمة طاقة عالمية متنامية وانهيارات عنيفة، وليمنع انزلاقها لحرب شاملة، منتقداً قرار الرئيس ترامب استئناف حرب كارثية غامضة مدفوعاً بضغوط خارجية، وفقاً لتصريحات فانس، متهماً إسرائيل واللوبي الإسرائيلي بدفع الرئيس نحو الحرب، وهذا موقف سياسي فارق لنائب الرئيس في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث، ورسالة سياسية يبعثها فانس إلى الرأي العام والكونغرس الأمريكييّن والرأي العام العالمي، في أنه، كنائب للرئيس، غير مسؤول عن الحرب ويعارضها وينتقد مفاعيلها، وبذلك، يشكل فانس خط رجعة ومراجعة ومسار تصحيح لسياسة الحرب الأمريكية، رغم أن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، نفت التَعارض بين الرئيس ونائبه بشأن الحرب، «وأنهما متَّفقان، وكما يذهب البعض، في أنهما يمارسان أدواراً مُكملة، ولا تناقض بينهما».
عموماً، فانس قد يُحدث تغييرات عميقة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية والشرق أوسطية جوهرها الحل السياسي لحروبها ونزاعاتها، وتجاه العالم بقبول الولايات المتحدة نظاماً دولياً مُتعدد الأقطاب، وتوازن قوى عالمياً تعددياً، يتشكل، وعولمة سياسية تشاركية تنموية تبادلية متكافئة تُحقق الرفاهية والسعادة العالمية، تُساهم فيها الولايات المتحدة، كدولة حرة تقدمية، بابتكاراتها العلمية التقنية المدنية أكثر من صناعاتها العسكرية، وهذا يدعم السِّلم والاستقرار الدولييّن.
نائب الرئيس فانس، مواليد 1984، جاء من وسط اجتماعي اقتصادي مختلِفٍ عن وسط وبيئة الرئيس دونالد ترامب، التاجر الملياردير. فانس مُتدين مسيحي، كاثوليكي، بريطاني الأصل، من الطبقة العاملة الأمريكية، نشأ فقيراً، وعاش ظروفاً صعبة، وعصامي، من ولاية أوهايو الريفية، وينتمي إلى الفكر المُحافظ الأمريكي، وهو فكر ديني مسيحي سياسي قومي وطني، متجذر، له منظماته الفاعلة في المجتمع الأمريكي، ودَرَس في جامعة يل Yale القانون. وعُرِف، فانس، قبل، توليه منصبه، كنائب للرئيس، بنقده السياسي للتدخل العسكري الأمريكي في الخارج، وكان ينتقد نُخَب الحزب الديمقراطي الأمريكي الليبرالية، وفكر فانس السياسي امتداد لفكر القادة الشعبيين الجمهوريين المسيحيين المحافظين الأمريكيين المُتَنفذين في وسائل إعلامية أمريكية كبرى يُركزون فيها على المسائل الداخلية الأمريكية كمناهضتهم العلاقات خارج مؤسسة الزواج والإجهاض والمِثلية وقوانين الهجرة المرنة، ويدعون إلى إِحياء القيم العائلية التقليدية، واحترام نظام الأسرة، ومنح الدين المسيحي والكنائس دوراً أكبر في المجتمع، وزيادة الإنتاج، ويُدافعون عن حق المواطن الأمريكي في التسلح، ويُعارضون الاهتمام بقضايا الخارج على حساب قضايا الداخل الأمريكي.
الفكر السياسي الاجتماعي الديني المحافظ قوي التأثير في فانس. فهو ألقى خطاباً في مؤتمر الأمن في ميونيخ، في 14 نوفمبر 2025، اتهم فيه قادة أوروبا بإضعاف دور الدين المسيحي في الحياة الأوروبية ومنع الناشطين السياسيين المسيحيين المحافظين من المشاركة السياسية وإِقصائهم، ودعا إلى منحهم حرية أكبر في الحياة السياسية، والمحافظة على القِيم. وقال بأن السلطة السياسية الممنوحة من الشعوب تُستخدم بحكمة لتحسين حياتهم– وهذا بُعد سياسي – ديمقراطي – تنموي، يُلامس فيه فانس ظروف الطبقة الوسطى والفقيرة الصعبة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية.
فانس استشهد بالحرب الباردة (1945 – 1991) لإثبات فلسفته السياسية الدينية المُحافظة حيث يرى أن الاتحاد السوفييتي السابق، وأعضاء الكتلة الشيوعية، قمعوا المعارضة السياسية، وعارضوا الدِين، وأغلقوا الكنائس، وألغوا الانتخابات، وهكذا خسروا الحرب الباردة، ولأنهم لم يحترموا الحرية وحرية المفاجأة وارتكاب الأخطاء، والابتكار، والبناء. ولا يُمكن فرض الابتكار أو الإبداع، تماماً كما لا يُمكن إجبار الناس على ما يُفكّرون فيه، أو ما يشعرون به، أو ما يُؤمنون به، وهذه الأمور مُترابطة بالتأكيد. خطاب فانس يتعلق ببنية المجتمع الأمريكي في مرحلة ما بعد الحداثة حيث التحديات داخلية أكثر منها خارجية، فلا يتوجب على الحكومة الأمريكية خوض حروب عالمية قاسية.

 

مقال للكاتب: منصور جاسم الشامسي في صحيفة الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى