
تتغير ملامح الأمم حين تتغير أولوياتها. فهناك دول جعلت مستقبلَ الإنسان محور مشروعها الوطني، فاستطاعت أن تحوّل التحديات إلى فرص، وأن تكتب لنفسها مكانةً راسخة بين الأمم. وفي المقابل، هناك دول امتلكت الإمكانات نفسها، وربما أكثر، لكنها اختارت مسارات أخرى، فتأخر بها قطار التنمية، واتسعت الفجوة بين ما تملكه من قدرات وما حققته من نتائج.
وتقدم رواندا واحداً من أكثر النماذج دلالة على أثر حُسن الاختيار، إذ شهد التاريخ الحديث واحدة من أبشع المآسي الإنسانية، ففي عام 1994 شهدت رواندا إبادة جماعية مروّعة مات فيها ما يقارب 800 ألف شخص معظمهم من التوتسي، وانتهى الصراع بانتصار «الجبهة الوطنية الرواندية»، وبدت البلاد وكأنها فقدت كل مقومات النهوض، وكانت بحاجة ماسّة إلى عملية شاملة لإعادة الإعمار في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهنا تبنّت الحكومةُ الروانديةُ مساراً مختلفاً واستراتيجية شاملة لإعادة بناء البلاد. وتمكّنت رواندا من أن تصبح نموذجاً أفريقياً رائداً وأصبحت المصالحةُ الوطنية، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة، والتعليم، والتنمية الاقتصادية.. إلخ، أولوياتٌ لا شعارات. وتحوّلت رواندا إلى نموذج متميز في النمو الاقتصادي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الخدمات العامة، واستعادة الثقة بالمؤسسات العمومية.. وأثبتت أنه بإمكان الدول النهوضَ من رماد الحروب إذا ما نظرت للمستقبل وتبنّت إصلاحات مؤسسية استراتيجية.
وفي منطقتنا، تقدم دولةُ الإمارات نموذجاً أكثر رسوخاً وعمقاً لفلسفة بناء المجد. فمنذ قيام الاتحاد، لم يكن المشروع الوطني مقتصراً على تشييد المدن الحديثة أو إنشاء الطرق والمطارات، بل انطلق من قناعة راسخة بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار فيه هو الاستثمار الأكثرَ استدامةً. ولهذا، جاءت خطط التنمية متوازنةً، تجمع بين بناء الاقتصاد وبناء الإنسان، وبين تحديث البنية التحتية وترسيخ منظومة تعليمية وصحية متقدمة، وبين تحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز جودة الحياة.
لقد أدركت الإمارات مبكراً أن المجتمعات لا تتقدم بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تدير هذه الموارد. ولذلك استثمرت في التعليم والبحث العلمي، وتمكين المرأة، وتأهيل الشباب، واستقطاب الكفاءات العالمية، وتهيئة بيئة تُشجِّع على الابتكار وريادة الأعمال. كما نجحت في بناء اقتصاد متنوّع، لا يعتمد على مورد واحد، وربطت التنمية بالمعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستدامة، حتى أصبحت وجهة عالمية للاستثمار، ومركزاً للأعمال، وبيئةً تستقطب الملايين من أصحاب الكفاءات والطموحات من مختلف أنحاء العالم، فكان النجاحُ ثمرةً لرؤية بعيدة المدى آمنت بأن بناء الإنسان هو محور السياسات العامة وأن استقرار المجتمع وازدهاره يبدأ من توفير الفرص، وتعزيز الثقة، وإطلاق الطاقات الكامنة لدى أفراده.وفي المقابل، تقدم بعضُ التجارب مثالاً مختلفاً. فبعض الدول، ورغم ما تمتلكه من إمكانات بشرية وعلمية وثروات طبيعية كبيرة، كان يمكن أن تحقق حضوراً اقتصادياً وتنموياً بارزاً، غير أن توجيه الاهتمام إلى خلق الأزمات السياسية والإقليمية، جعلها تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كان من الممكن التخفيف من آثارها لو حظيت برامج التنمية، وبناء الإنسان، وتطوير الاقتصاد، بفرصة أكبر ضمن رؤيتها للمستقبل. والمقارنة هنا ليست بين دول، بل بين فلسفة ترى أن الإنسان هو نقطة البداية، وأن التنمية هي الطريق الأقصر إلى الازدهار، وفلسفة تضع أولوياتها في صناعة وإدارة الأزمات.
وفي النهاية، لا يتذكر التاريخُ الخطبَ ولا الشعارات التي رُفعت، بل يتذكر ما الذي تركته الدول لشعوبها.. يتذكر المدارسَ التي خرّجت أجيالاً، والجامعات التي صنعت المعرفة، والمستشفيات التي حفظت الحياة، والاقتصادات التي وفّرت الكرامة، والبيئات التي فتحت أبوابَ المستقبل أمام الشباب.. وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين مَن يصنع المجد، ومَن يُهدر المستقبل.
كاتبة إماراتية
مقال للكاتبة: عائشة المري في صحيفة الاتحاد.



