
هل ظنت إيران أنها يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية في استفزاز الدول المجاورة التي تستحق جائزة «أوسكار» في التحكم في الأعصاب، و«نوبل» في الحفاظ على هوامش السلام حتى آخر لحظة؟!
هل هناك من ينصح قادة إيران بعدم اختبار صبر هذه الدول، عبر استخدام تهديداتها واستهدافاتها كورقة ضغط لعل الكفة تميل لصالحها في الصراع في وعلى «هرمز»؟!
هل تحاول إيران تعويض خسائرها ومواطن الضعف الداخلية الناجمة عن توليفة من العوامل بعضها يعود إلى ما قبل اشتعال الصراع الحالي، متمثلة في عدم رضا قاعدة عريضة من الإيرانيين على النظام.
ورغبة شعبية عارمة في الإصلاح والتغيير، والبعض الآخر تفاقم بعد 28 فبراير الماضي عبر فقدان القيادات العليا، وتفتت هرم القيادة، وأمارات الشد والجذب بين التيارات المختلفة حول أسلوب إدارة وإنهاء الصراع.
ناهيك عن المشكلات المعيشية من غلاء وانهيار العملة وضعف الخدمات، لدرجة أن أعداداً متزايدة من الإيرانيين باتت تشتري من البقالة بالتقسيط حسبما أفادت تقارير صحافية، وذلك بتشتيت الانتباه وتوجيه ضربات إلى دول الجوار التي التزمت ضبط النفس حتى اللحظات الأخيرة!
هل خُيل لإيران أن الإمارات غير قادرة على الرد أو الردع، بل وعلى اتخاذ المواقف والإجراءات الاستباقية التي تضمن أمنها وسلامة مكتسباتها التي حققتها على مدى عقود بالعمل الجاد.
والانفتاح المستنير، والاستثمار المبدع، وبناء الإنسان، واحتضان الجنسيات والثقافات والأعراق تحت مظلة إطارها القانون، وأعمدتها السلام والتسامح والأمان والرفاه؟..
وقف الأنشطة التجارية والمالية مع إيران ضربة أولية موجعة توجهها الإمارات إلى إيران بعد نفاد الصبر، وبعد إصرار غريب على العناد والعجرفة والمكابرة، وبعد أسلوب دفاعي عجيب وغير منطقي يقوم على مهاجمة الأصدقاء لا الأعداء!
ظلت الإمارات نافذة رئيسية لتجارة إيران واقتصادها لسنوات طويلة.. الأرقام لا تهول أو تهون.. بحسب بيانات الجمارك الإيرانية، بلغ حجم التجارة بين الإمارات وإيران نحو 29.1 مليار دولار، وذلك في العام الإيراني المنتهي في مارس 2025.
المسألة ليست وقف تدفق بضائع فقط، بل يفوقها في الأثر وقف المعاملات المالية، وهي الضربة الأكثر إيلاماً لإيران واقتصادها، وما يرتبط بالاقتصاد من معاملات وأسعار سلع في الداخل وتفاصيل معيشية لا حصر لها. الحرب ليست أسلحة وقتالاً وصواريخ باليستية فقط..
وليست أخباراً مضللة وتقارير كاذبة وادعاءات لا أصل لها.. كما لا تكون فقط بإبقاء منطقة بأكملها، بما فيها من دول وشعوب ومصالح على صفيح ساخن طيلة الوقت، أو تحويلها إلى قنبلة موقوتة لتفجيرها وقت اللزوم..
والعجرفة والغطرسة اللتان تدفعان طرفاً ما للاعتقاد بأن في إمكانه تحقيق انتصار عبر هذه الأدوات وحدها يكون قد صنع هزيمته لنفسه بنفسه.
في جعبة كل الدول المتضررة الكثير، لكن الحكمة والتروي وبعد النظر تملي عليها الكثير أيضاً، لا من منطلق الضعف، بل من منطلق الصبر الاستراتيجي، والقوة التي يتم تفعيلها وقت اللزوم لا وقت العصبية أو العنجهية أو الصبيانية.
الرد في الوقت وبالتكتيك والأسلوب الأمثل، وانتهاج قنوات الضغط الدبلوماسي والردود العسكرية الصارمة والقوية والمحددة بحسب الهجمات، أصعب بكثير من القفز في حرب مجنونة وصراع يقوم جزء كبير منه على محاولات الزج بأكبر عدد ممكن من الدول فيه.
لم يعد سراً أن إيران تعتمد على مبدأ توسيع رقعة الصراع، والزج بأكبر عدد ممكن من الدول الفاعلة والمؤثرة فيه، وذلك أملاً في زيادة عدد وتأثير الأوراق التي تظن أنها تلعب بها وتراهن عليها.
حتى اللحظة، يقتصر اللاعبون المنخرطون في الصراع على الجانب الإيراني على فئة الكيانات والحركات والجماعات التي لا تملك شيئاً تخسره.
فرق كبير بين استعراض القوة عبر عضلات مصنوعة بمنشطات وهرمونات، والترويع المستمر بالتلويح بالهجوم العسكري أو نشر الأيديولوجيا المميتة، وبين القوة القائمة على اقتصاد قوي ومستقر ومتعدد المصادر، ودولة قانون وعدالة، ومؤسسات، وموارد بشرية جيدة وذات كفاءة وانتماء، وقوة ناعمة ودبلوماسية وعلاقات عابرة للحدود، وقوة عسكرية للاستخدام وقت اللزوم.
مقال للكاتب: أمينة خيري في صحيفة البيان.



