
كلما اقتربت المنطقة من تهدئة تعيد فتح باب المفاوضات وتنشط الممرات البحرية والأسواق، تعود موجة جديدة من التصعيد لتعيد الجميع إلى نقطة الخطر.. الأسابيع الماضية استهدفت إيران البحرين والكويت والأردن بالصواريخ والطائرات المسيرة، بعد فترة قصيرة من الحديث عن تفاهمات لوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز، تكرار هذا المشهد يدفع إلى قراءة تتجاوز الحسابات العسكرية والخطاب الأيديولوجي، نحو سؤال أعمق: ماذا تمثل التهدئة لمراكز القوة التي بنت نفوذها وثروتها داخل اقتصاد تشكل في ظل العقوبات والأزمات؟
في الظروف الطبيعية يكافئ الاقتصاد الإنتاج والاستثمار والمنافسة، أما اقتصاد العقوبات فيكافئ من يملك القدرة على تجاوز القيود، ومع امتداد سنوات العزلة، ينتقل جزء متزايد من النشاط الاقتصادي إلى شبكات موازية تعمل خارج القنوات الرسمية، فتتحول الأزمة من ظرف مؤقت إلى بيئة اقتصادية تولد مصالح جديدة، وحين تتكرر هذه الدورة لسنوات، يصبح استمرارها أكثر ربحية من انتهائها بالنسبة إلى الجهات التي راكمت نفوذها داخلها.
اقتصاد الصراع ظاهرة قديمة قدم الحروب، فقد بنت شركة الهند الشرقية البريطانية نفوذها التجاري والعسكري في آسيا عبر منظومة ربطت الربح بالسيطرة والصراع، ثم كشفت حروب الأفيون في القرن التاسع عشر كيف تستطيع المصالح الاقتصادية دفع دول إلى استخدام القوة لحماية أسواقها، وفي العصر الحديث تحولت تجارة الألماس خلال الحرب الأهلية في أنغولا إلى مصدر تمويل أطال أمد القتال، وارتبطت تجارة الأخشاب والألماس في ليبيريا وسيراليون بتمويل الميليشيات المسلحة، فيما وفر اقتصاد الكوكايين في كولومبيا مورداً مكن الجماعات المسلحة من مواصلة الحرب لعقود.
تتغير الجغرافيا والسلع، وتبقى المعادلة واحدة: حين تتراكم الثروة والنفوذ داخل بيئة الصراع، تصبح التسوية السياسية تحدياً مباشراً للمصالح التي صنعتها الأزمة.
إيران تقدم اليوم واحدة من أوضح صور هذا النموذج.. فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، دخل الحرس الثوري مرحلة إعادة الإعمار عبر شركة مقاولات أسسها عام 1989 تحمل اسم «خاتم الأنبياء»، بدأت ببناء السدود والطرق ثم أصبحت واحدة من أكبر الشركات في إيران، حاضرة في النفط والغاز والمصافي والموانئ والاتصالات والنقل والمصارف، ومع مرور الوقت وصفته مؤسسات بحثية عديدة بأنه أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في إيران، مع تقديرات تضع حجم نشاطه في نطاق واسع يتراوح بين ثلث ونصف الاقتصاد الإيراني.
ومع تعاقب العقوبات الدولية، انسحبت شركات أجنبية، وتراجعت التجارة الرسمية، وظهرت في المقابل شركات واجهة وشبكات وساطة وناقلات تعمل خارج المنظومة التقليدية، وتحول الالتفاف على العقوبات إلى نشاط اقتصادي ضخم يدر موارد هائلة على من يملك أدواته.
هذا التحول أعاد توزيع القوة داخل الاقتصاد الإيراني نفسه، فالعقوبات رفعت التضخم وأضعفت العملة وأرهقت الاقتصاد الرسمي، وفي الوقت ذاته رفعت القيمة الاستراتيجية للمؤسسات القادرة على إدارة الاقتصاد الموازي، وتشير تحقيقات دولية إلى أن حصة الحرس الثوري من صادرات النفط الإيرانية ارتفعت من نحو 20% قبل ثلاث سنوات إلى ما يقارب النصف اليوم، عبر شبكة واسعة من الوسطاء والناقلات وشركات الواجهة، خصوصاً في التجارة مع الصين، كما خصصت موازنة عام 2025 نحو 47% من عائدات النفط والغاز للقوات المسلحة، بزيادة كبيرة مقارنة بالأعوام السابقة.
وكلما ضاقت القنوات الرسمية، اتسعت الموارد التي تمر عبر هذه الشبكات، وتعزز النفوذ الاقتصادي والسياسي المرتبط بها.
في مقابل هذا التضخم المؤسسي، انكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 2.7% وفقاً للبنك الدولي وتجاوز التضخم 80%، فيما يعيش أكثر من 40 مليون إيراني تحت خط الفقر.
وخلال فترات الانفتاح تعود المنافسة إلى الاقتصاد، وتدخل رؤوس أموال جديدة، وتتراجع الحاجة إلى كثير من شبكات الالتفاف التي ازدهرت في زمن العقوبات، ولهذا تحمل التهدئة معادلة مختلفة بالنسبة إلى مراكز القوة التي راكمت نفوذها داخل اقتصاد الأزمة، فعودة الشركات الأجنبية تعني منافسة جديدة، واستعادة العلاقات المصرفية تعني رقابة أكبر، وتدفق الاستثمارات يعيد الاعتبار للقطاع الخاص، كما تعيد فترات الاستقرار إلى الواجهة أسئلة الداخل حول التضخم والبطالة وعائدات النفط.
الصواريخ تفسر كيف يبدأ التصعيد، أما اقتصاد الأزمة فيفسر لماذا يتكرر، فحين ترتبط القوة السياسية والثروة الاقتصادية باستمرار التوتر، يصبح السلام معادلة تعيد رسم موازين النفوذ داخل النظام.
مقال للكاتبة: نوفر رمول في صحيفة البيان.



