مقالات

من تاريخ الابتكار

د. منصور العور

الابتكار
يقول سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «استئناف الحضارة قرار، لا شعار».

 

وفي هذه المقالة نتناول هذا الجانب إكمالاً لسلسلة المقالات التي تناولنا فيها التحولات الكبرى في التعليم العالي في عصر الابتكار والذكاء الاصطناعي، من ضرورة الابتكار، إلى المبادرات المبتكرة، إلى علاقة التعليم بالذكاء الاصطناعي، إلى التحولات المؤسسية والمشاريع التحولية. ذلك أن المستقبل لا يولد من فراغ، بل يستند إلى ذاكرة حضارية.

لا يمكن في هذه العجالة الإشارة لو بالاسم فقط إلى المؤسسات والمشاريع والمبادرات التي أطلقها صاحب السمو تنفيذاً لهذا القرار الحضاري، القرار بأن نستأنف الدور الذي يمثل جزءاً من تكويننا التاريخي والثقافي والعلمي.

 

ولا عجب في ذلك، فحين نعود إلى التاريخ، نجد أن الحضارة العربية كانت مهداً للابتكار والمعرفة. ولم يكن العربي متلقياً، بل صانعاً. لم يكن تابعاً للحضارات، بل كان في كثير من الأحيان هو من يقودها.

وفي زمن كان فيه العالم يبحث عن طرق لحفظ المعرفة، كان العرب يبتكرون طرقاً لصناعة المعرفة ذاتها. وفي قلب هذا العصر الذهبي وجدت العقول العربية التي أعادت تعريف العلوم، واللغة، والهندسة، والطب، والفلسفة.

في بيت الحكمة ببغداد ولدت أفكار غيرت العالم. وبيت الحكمة لم يكن مكتبة فقط. كان مركز أبحاث، ومختبر أفكار، ومنصة ترجمة، ومكاناً تجتمع فيه عقول من ثقافات ولغات مختلفة.

 

وكانت الكتب قيد الترجمة والنقاش والمداولات والمراجعات والتحقيقات، وكان بيت الحكمة نموذجاً مبكراً لما يمكن أن يسمى منصة ابتكار مفتوحة، ولم يكن موظفوها ناسخين وحفظة نصوص فحسب، بل مفكرين ومبتكرين.

من بين تلك الأفكار الكبرى التي شهدها ذلك العصر فكرة الخوارزمية، التي وضعها العالم العربي الخوارزمي، والتي أصبحت أساس علم البرمجة والذكاء الاصطناعي اليوم.

 

وهذا المفهوم لم يكن مجرد مفهوم رياضي، بل كان طريقة جديدة للتفكير: تحويل أي مشكلة إلى خطوات منطقية واضحة يمكن بها حلها ومعالجتها. وتلك هي الطريقة نفسها التي تعتمد عليها اليوم كل لغات البرمجة وكل أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومفهوم «الكود» الذي يسيطر على العالم اليوم هو امتداد لفكرة أبدعتها حضارة عربية قبل أكثر من ألف عام.

من بيت الحكمة في بغداد إلى جامعة حمدان بن محمد الذكية في دبي، يتواصل خيط الابتكار. وهذا الخيط ليس مجازياً، بل واقعياً. ونفس الروح التي جعلت الحضارة العربية في الماضي مركزاً للمعرفة، هي التي تدفع جامعة حمدان بن محمد الذكية لبناء منصات تعليمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الذكي، وتمزج بين البحث العلمي والتجربة التطبيقية، وتعيد تعريف مفهوم الجامعة كمنصة إنتاج معرفة وابتكار.

 

وفي هذا المسعى، نحن لا نستعيد اليوم ذلك الماضي الذهبي بل نستأنفه. وصحيح أن المستقبل قد لا تعنيه أمجاد الماضي، إلا أن بشائر الحاضر بكل ما فيه تُنبئ عن مستقبل باهر للجامعات التي بادرت إلى اعتماد التعلم الذكي في التعليم العالي.

 

 

مقال للكاتب: د. منصور العور في صحيفة البيان.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى