
وفي هذه المقالة نتناول هذا الجانب إكمالاً لسلسلة المقالات التي تناولنا فيها التحولات الكبرى في التعليم العالي في عصر الابتكار والذكاء الاصطناعي، من ضرورة الابتكار، إلى المبادرات المبتكرة، إلى علاقة التعليم بالذكاء الاصطناعي، إلى التحولات المؤسسية والمشاريع التحولية. ذلك أن المستقبل لا يولد من فراغ، بل يستند إلى ذاكرة حضارية.
ولا عجب في ذلك، فحين نعود إلى التاريخ، نجد أن الحضارة العربية كانت مهداً للابتكار والمعرفة. ولم يكن العربي متلقياً، بل صانعاً. لم يكن تابعاً للحضارات، بل كان في كثير من الأحيان هو من يقودها.
وفي زمن كان فيه العالم يبحث عن طرق لحفظ المعرفة، كان العرب يبتكرون طرقاً لصناعة المعرفة ذاتها. وفي قلب هذا العصر الذهبي وجدت العقول العربية التي أعادت تعريف العلوم، واللغة، والهندسة، والطب، والفلسفة.
وكانت الكتب قيد الترجمة والنقاش والمداولات والمراجعات والتحقيقات، وكان بيت الحكمة نموذجاً مبكراً لما يمكن أن يسمى منصة ابتكار مفتوحة، ولم يكن موظفوها ناسخين وحفظة نصوص فحسب، بل مفكرين ومبتكرين.
وهذا المفهوم لم يكن مجرد مفهوم رياضي، بل كان طريقة جديدة للتفكير: تحويل أي مشكلة إلى خطوات منطقية واضحة يمكن بها حلها ومعالجتها. وتلك هي الطريقة نفسها التي تعتمد عليها اليوم كل لغات البرمجة وكل أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومفهوم «الكود» الذي يسيطر على العالم اليوم هو امتداد لفكرة أبدعتها حضارة عربية قبل أكثر من ألف عام.
وفي هذا المسعى، نحن لا نستعيد اليوم ذلك الماضي الذهبي بل نستأنفه. وصحيح أن المستقبل قد لا تعنيه أمجاد الماضي، إلا أن بشائر الحاضر بكل ما فيه تُنبئ عن مستقبل باهر للجامعات التي بادرت إلى اعتماد التعلم الذكي في التعليم العالي.
مقال للكاتب: د. منصور العور في صحيفة البيان.



