مقالات

من ثقافة الثقة إلى ثقافة التحقق

عبدالعزيز سلطان المعمري

الثقة
في الجامعات تُدرَّس لطلبة الإعلام قاعدة تبدو بديهية: «خذوا أخباركم من المصادر الموثوقة»، وعلى رأس هذه المصادر وكالات الأنباء الكبرى. القاعدة من حيث الأصل صحيحة، فوكالة الأنباء الدولية تمتلك شبكة كبيرة من المراسلين والصحفيين والمحررين، والأهم من كل ذلك لديها آليات وأساليب للتحقق من صحة الخبر والمعلومة وشروط حازمة وشديدة للنشر، وبوابات إعلامية وتسلسل تحريري يجعل احتمالات الخطأ نادرة بل تكاد تكون معدومة، وهذا ما يكسبها ثقة أعلى لدى الجمهور.

 

للأسف ما يحدث اليوم في الإعلام يفرض علينا المراجعة وإعادة النظر، لا في أهمية المصدر الموثوق، بل في معنى المصدر الموثوق وما المقصود به، حين تنشر وكالة دولية خبراً شديد الحساسية عن سماع دوي انفجارات في مدينة مثل دبي ثم يصدر نفي رسمي، هنا لا نتوقف ولا نسأل: هل كان الخبر صحيحاً أم خاطئاً؟ الأهم لدينا: كيف وصل إلى النشر؟ وما مستوى التحقق قبل نشره؟ وما طبيعة المصادر المعتمد عليها؟ وهل يكفي الاعتماد على روايات أفراد في خبر يمكن أن تكون له آثار أمنية وسياسية واقتصادية بل ونفسية؟

 

هنا تظهر واحدة من أهم وأخطر مشكلات الإعلام، للأسف، المؤسسات الإعلامية لم تعد بعيدة عن ضغط السباق الرقمي، سابقاً كانت وكالات الأنباء تحدد إيقاع الخبر، أما اليوم فهي تنافس منصات رقمية وحسابات في منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إخبارية تنشر خلال ثوانٍ، وأصبحت الدقائق القليلة فارقاً في سباق السبق.

 

حتى لا ننجرف، الإعلام لا يقاس بمن سبق، فالسبق يفقد قيمته إن كان على حساب الحقيقة والمصداقية، ويتحول من إنجاز إلى عبء، لذا الفرق الحقيقي بين وكالة أنباء مهنية وحساب عابر في منصة رقمية ليس السرعة، بل القدرة على التحقق قبل النشر، فإذا تراجع هذا الفارق، فقدت الوكالة أهم ما يميزها، وأصبحت كمثل ذلك الحساب العابر.

 

نحن نعي أن خطأ وكالة عالمية ليس كخطأ حساب فرد أو مجهول، لأن الناس يتعاملون معه بحذر، أما الوكالة فخبرها يتحرك عبر الثقة بها، لذا تنقله القنوات، ونشره الصحف ويتداوله المحللون، وقد تتعامل معه مراكز الدراسات وصناع القرار باعتباره جدير بالثقة والاعتماد، ليس لأن الجميع تحقق منه، بل لأنه من المنطق أن الوكالة قام بالتحقق.

 

وهنا أصل المشكلة، حيث تصبح السمعة بديلاً عن التحقق، ويتحول اسم الوكالة إلى دليل على صحة الخبر، لهذا فالمصداقية الإعلامية ليست فقط قيمة أخلاقية، بل رأس مال حقيقي، تبنيه المؤسسة في عقود، لكنها قد تخسر جزءاً منه في لحظة، إذا قدمت السرعة على الدقة، وإذا جعلت السبق أهم من الحقيقة والمصداقية.

 

بكل صراحة، وهنا أقصد الوكالة، أن تنشر معلومة شديدة الحساسية، ثم تنقل نفيها لاحقاً، هنا قد تكون عالجت جزءاً من الأثر، لكنك لم تجب عن السؤال الأهم: لماذا نشرت الخبر قبل أن تكتمل شروط التحقق ومعايير النشر؟

 

في الواقع المسألة تتجاوز الوكالة، فمن الضروري اليوم إعادة فهم وتعريف مفهوم المصدر الموثوق، حيث لا يكفي أن نقول وكالة الأنباء الدولية موثوقة، والحساب المجهول غير موثوق، البيئة الإعلامية أصبحت أكثر تعقيداً من هذا التصنيف البسيط، في الحقيقة نحن بحاجة ماسة إلى الانتقال من ثقافة الثقة بالمصدر إلى ثقافة التحقق من الأخبار والمعلومات.

 

الثقة بالمصدر لا تكفي، ولا يكفي التاريخ والسمعة لكسب الثقة، ولا بد من التأكد والتحقق المبني على الدليل والسياق وتنوع المصادر، الثقة تمنح المصدر مكانته، لكن من الضروري التحقق من صحة الخبر، فالمكانة لا تعني الحصانة والعصمة من الخطأ.

 

من وجهة نظري، قضية الوكالة يجب ألا تُقرأ باعتبارها جدلاً حول خبر واحد فقط، بل نتجاوزه إلى سؤال أكبر وأهم حول قدرة المؤسسات الإعلامية على مقاومة منطق السرعة والضجيج الذي يفرضه العصر الرقمي، الإعلام ليس صناعة محتوى فقط، بل صناعة ثقة، وقد تحتفظ المؤسسات الإعلامية باسمها وانتشارها وتأثيرها، لكنها إن فقدت الثقة فقدت أهم عناصر قوتها.

 

لذا أعتقد أنه قد آن الأوان لإعادة صياغة القاعدة من «خذوا أخباركم من المصادر الموثوقة» إلى «تحققوا من المصادر التي تثقون بها»، فالمصداقية ليست لقباً دائماً، ولا حصانة يمنحها التاريخ، ولا امتيازاً تصنعه الشهرة، بل هي اختبار يتكرر مع كل خبر. وحين يصبح المصدر الذي كنا نلجأ إليه للتحقق بحاجة إلى التحقق، فإن القضية لا تعود خطأ مهنياً عابراً، بل تصبح سؤالاً حقيقياً عن مستقبل الثقة في الإعلام.
مقال للكاتب: عبدالعزيز سلطان المعمري في صحيفة البيان.
زر الذهاب إلى الأعلى