
في ظل ما تواصل أبوظبي تحقيقه من حضور عالمي متنامٍ، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للثقافة والسياحة والاقتصاد، فإن استدامة هذا النجاح ترتكز على قدرتنا على أن تُروى قصة الإمارة بأصوات من عاشوا مسيرتها، وأسهموا في صياغة منجزاتها، واستوعبوا جوهر رؤيتها ورسالتها. ويكتسب الاحتفاء باليوم العالمي للشباب في هذا السياق بُعداً استراتيجياً، إذ يجسد مسؤوليتنا المستمرة تجاه الاستثمار في الجيل القادم، وتمكينه من حمل هذه الرسالة الوطنية، وصون إرثها، والمضي بها بثقة نحو آفاق أرحب من التميز والريادة.
وفي زمنٍ يشهد فيه العالم المكانة المتنامية لأبوظبي على الخريطة الدولية، لم يعد النجاح الاقتصادي المستدام رهناً بالأرقام والمؤشرات فحسب، بل بقدرتنا على أن تُروى حكايتنا بأصواتِ من عاشوا تفاصيلها، وأسهموا في صياغة ملامحها، وتشرّبوا رؤيتها حتى صارت جزءاً من وجدانهم. من هذا المنطلق، جاء إطلاق برنامج “نواه” – برنامج قادة المستقبل في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، بوصفه خطوة استراتيجية تُرسّخ استثمارنا في الإنسان ورأس المال البشري باعتباره الثروة الأولى والأكثر استدامةً.
وإذ نواصل تقديم أبوظبي إلى العالم بوصفها وجهةً مركزيةً للثقافة والسياحة والإبداع، تتعاظم مسؤوليتنا في إعداد جيل إماراتي قادر على صون القيم، وتجسيد الهوية، والتعبير عن الرؤية بثقةٍ وأصالة، وقيادة المنظومة الثقافية والسياحية نحو آفاقٍ أكثر رحابة وتأثيراً.
فخلف كل تجربةٍ يعيشها الزائر في متاحفنا ومهرجاناتنا ومؤسساتنا الثقافية، تقف كفاءاتٌ نابضةٌ بروح الإمارة، تُجيد الحكاية بقدر ما تُتقن الصنعة. وفي دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، يشكّل موظفونا حجر الأساس في سرديتنا الوطنية؛ بخبراتهم الواسعة، واحترافيتهم العالية، واعتزازهم العميق بهويتهم الإماراتية.
حين يصبح الاستثمار في الإنسان هويةً
تزدهر المنظومات الثقافية حين تضع الإنسان في قلب رؤيتها واستثماراتها. فالموهبة المحلية ليست مجرد عنصرٍ في منظومة العمل، بل هي المحرّك الأساسي للحيوية الثقافية، والحافظة لذاكرتها، والمصدر الذي تستمد منه أصالتها وقدرتها على التجدد. وفي ظل مشهد عالمي وإقليمي سريع التغيّر، لم يعد الاستثمار في الإنسان مجرد أولوية طويلة المدى، بل خياراً استراتيجياً حاسماً يحدد قدرة المؤسسات والمجتمعات على الازدهار والمنافسة. وفي هذا السياق، تغدو القدرة على التكيّف، والقيادة بوضوح، والتمسّك بالقيم، مرتكزات أساسية لبناء مستقبل أكثر استدامة ومواصلة التقدم بثقة.
إن تطوير القيادات وصقل المهارات على نحوٍ مستدام يعزّزان أصالة ما نقدّمه، ويمنحان رسالتنا مصداقيتها العالمية. ولهذا، تحرص برامجنا التدريبية – لا سيما تلك الموجّهة لشبابنا الإماراتي – على أن تجسّد روح أبوظبي وقيمها لدى من يعيشونها عن قرب في تفاصيل حياتهم اليومية. ويُعد الاستثمار في التطوير المهني ركيزةً أساسيةً للتقدم طويل الأمد، وعنصراً محورياً في بناء قدرات مستدامة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.
غير أن تقارير الأمم المتحدة تكشف عن فجوةٍ عالميةٍ في مفهوم التعلم مدى الحياة؛ إذ تتجاوز نسب المشاركة في التعليم والتدريب 50% بين الشباب من 15 إلى 24 عاماً، ثم تتراجع إلى نحو 3% فقط لدى الفئة بين 25 و54 عاماً. وهو مؤشرٌ يدعونا إلى تبني نهجٍ مستدام يواكب الإنسان في مختلف مراحل عطائه، ويُبقي التعلّم المستمر جزءاً أصيلاً من مسيرته المهنية والحياتية.
كفاءاتٌ محلية… بصمةٌ تتجاوز الحدود
تؤكد تجارب مدنٍ عدة حول العالم أن الاستثمار في المواهب قادرٌ على تحويل الهوية المحلية إلى قوةٍ تنافسيةٍ عالمية. فقد أسهم تأسيس مدرسةٍ متخصصة في فن الفسيفساء في إحدى المدن في إحياء حرفةٍ تقليدية وتعزيز الجاذبية السياحية. وفي برازافيل، عاصمة جمهورية الكونغو، مكّن الدعم الموجّه للموسيقيين من ترسيخ مكانة المدينة كوجهة نابضة بالموسيقى والمهرجانات.
أما ليما في بيرو، فقد قدّمت نموذجاً ملهماً؛ إذ خرجت من عقودٍ من التحديات لتشهد نهضةً قادها جيلٌ من الطهاة الذين استثمروا في القوة الثقافية والاقتصادية للمطبخ البيروفي. وبفضل التوسع في التدريب المهني ودعم القطاع العام، تحولت فنون الطهي إلى ركيزةٍ من ركائز الهوية الوطنية، وأسهمت بما يزيد على 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
ضيافتنا الإماراتية… ميزةٌ تنافسية برؤية عالمية
استلهاماً لهذه النماذج العالمية، تمتلك أبوظبي مقوماتٍ راسخة لقيادة جهود إعداد قيادات الغد، من خلال تبنّي منهجيات مبتكرة والاستثمار المستدام في تنمية الإنسان بوصفه جوهر أي منظومة ناجحة.
وتتجلى هذه الرؤية في مبادراتنا المتكاملة: من شراكات دولية لتوسيع قاعدة الرياضة وتطويرها، إلى مدارس الطهي التي تبني قدراتٍ مستدامة لقطاعٍ متسارع النمو، وصولاً إلى منصة التعلم للتراث الثقافي غير المادي التي تدمج عناصر التراث في المناهج الدراسية من مرحلة الروضة حتى الصف الثاني عشر، لترسّخ الوعي بالهوية منذ المراحل الأولى.
كما نستلهم في برامجنا التدريبية الدور التاريخي لأبوظبي كمفترق طرقٍ للثقافات، ووجهةٍ احتضنت التنوع واحتفت به. فهذه الروح ليست قيمةً رمزية، بل عنصرٌ أساسي في منظومتنا الثقافية، يتجسد في تطوير المواهب، سواء من أبناء وبنات الإمارات أو من المهنيين المقيمين الذين يسهمون يومياً في إثراء المشهد الثقافي وتعزيز حيويته. وقد أتاح برنامج “خبرتي” دمج الشباب الإماراتي في مؤسساتٍ رائدة بقطاعي السياحة والضيافة، فيما وفر المخيم الصيفي للشباب فرص تدريبٍ عملي في أبوظبي ومنطقة العين، عززت فهمهم الواقعي لمتطلبات القطاع. ويواصل برنامج “حياك” الرقمي الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزوار، عبر تمكين الكوادر في الصفوف الأمامية بالأدوات والمعرفة التي تضمن تجربةً متكاملة تعكس صورة الإمارة بأبهى تجلياتها.
نحو أفقٍ أبعد… بناء المستقبل بالإنسان
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة التغيير من حولنا، يبقى تركيزنا واضحاً: تمكين الجيل القادم بالمهارات، والرؤية، والثقة اللازمة للتعامل مع الفرص والتحديات. إن إعداد الجيل المقبل من القادة ليس خياراً تكميلياً، بل استثمارٌ مباشر في مستقبل الوطن. ومعاً، نرسّخ بيئةً تمكّن أبناء وبنات الإمارات من المبادرة والابتكار، والريادة والقيادة، والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية وتمكين الاستدامة.
غير أن هذه الفرص تحمل في طياتها مسؤوليةً واضحة: التزاماً عالياً، وطموحاً متقداً، وروح خدمةٍ تضع المصلحة العامة في المقام الأول. فمرشحو “نواه” لا يشاركون في برنامجٍ تدريبي فحسب، بل يضطلعون بمهمةٍ أسمى: الإسهام في رسم سقف طموح أعلى لأبوظبي.
إن بناء المستقبل يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وبإعداد قيادات وطنية تمتلك الكفاءة والرؤية والقدرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات مستدامة. وما نوفره اليوم من فرص ومسارات للتمكين يقابله التزام راسخ بالتميز، وطموح يتجاوز التوقعات، وإحساس عميق بالمسؤولية الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن اليوم العالمي للشباب لا يمثل مناسبة نحتفي بها فحسب، بل يجسد التزاماً مؤسسياً متواصلاً بتمكين الشباب الإماراتي، وإعداد جيل من القادة القادرين على قيادة مستقبل أبوظبي، وتعزيز تنافسيتها العالمية، ومواصلة مسيرتها التنموية بثقة واقتدار
الكاتب. سعود عبدالعزيز الحوسني من صحيفة الامارات اليوم



