مقالات

هل الاقتصاد يحقق ما فشلت فيه الحرب؟

محمد خلفان الصوافي

الاقتصاد
لا أدري هل من سخرية القدر أو هو توارد أفكار، أن تتوافق تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومحمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، مع ما يردده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحديث عن الحالة الاقتصادية السيئة في الداخل الإيراني باعتبارها نتيجة للحصار الاقتصادي الذي تفرضه واشنطن على طهران، والذي ينكره بعض المحللين السياسيين.

 

ففي حين قال بزشكيان قبل أسبوع: «إن الاقتصاد الإيراني يئن»، جاء اعتراف قاليباف قبل يومين عن مطالة الشعب بـ«الصمود» في مواجهة العدو، وعدم الشكوى من الوضع الاقتصادي.

 

هذا التقييم لمعاناة الشعب الإيراني كان الرئيس ترامب قد ردده كثيراً بأن الاقتصاد الإيراني يعاني تضخماً كبيراً وصفه في أحد تصريحاته بأنه وصل إلى نسبة 300%.

ومع أن شكوى قاليباف هي الأولى ولكن شكوى الرئيس بزشكيان لم تكن الأولى وإنما كررها في أكثر من مرة. وهذا، بلا أدنى شك هو دليل على أن الوضع الاقتصادي منهار بشكل حقيقي وتداعياته كبيرة وبات يمثل تحدياً كبيراً على استقرار الوضع الاجتماعي ومطالبة قاليباف الشعب بالصمود هي رسالة تهدئة الشارع الإيراني من اتخاذ قرار يربك المشهد.

 

المقارنة التي يجريها البعض بتداعيات العقوبات الاقتصادية خلال العقود التي سبقت الحرب وتداعيات الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران ليست واقعية حتى قبل تصريحات بزشكيان وقاليباف. كما أن الاتكال على تحمل الشعب الإيراني للعقوبات .

 

كما حدث خلال الفترة الماضية أمر غير منطقي لأنه لا يرى أفقاً لنهاية الحرب أو حل يساعد في الخروج من هذا المأزق، بل الأمر يزداد قتامة أمامه عندما يدرك هذا الشعب بجانب الحصار أن المنافذ البرية والجسور مع باكستان، وحتى أفغانستان قد قُصِفت وتم التضييق على الأموال القادمة من العراق مع تراجع الصادرات النفطية إلى الصين.

ولو أضفنا تلك الصورة القاتمة على الشعب أن تداعيات الحصار شمل الحرس الثوري ورواتب الجيش الإيراني، وكذلك أذرع إيران في الإقليم وتمويلاته سندرك أن الوضع خطير جداً وسنجد مبرراً لمطالب قاليباف بالتهدئة.

 

لهذا فالتقييم الموضوعي لتداعيات الحصار أنه يرسخ الاختلالات الهيكلية للمؤسسات الاقتصادية الإيرانية التي بدأت مع العقوبات.

ما تبديه تصريحات بزشكيان وقاليباف من معاني تصب في قلق النظام من تحقق السيناريو البديل للحرب الشاملة وهو الحصار الاقتصادي فما عجزت عنه الحرب من تحقيقه قد يفعله الحصار بأن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى «وقود» سياسي واجتماعي لتحريك الشارع بمختلف فئاته للثورة ضد النظام وهذه المرة ستكون أكثر شدة وعنفاً لسببين.

 

الأول أن القبضة الأمنية للحرس الثوري لم تعد كما كانت فهي منهكة بفعل التركيز على الحرب، وبفعل كذلك انتشار حالة الاستياء والتذمر من الحرب ما قد يفضي لانفجار الوضع الداخلي.

شكوى الرئيسيين (بزشكيان وقاليباف) تعطينا إشارة مهمة بعدم التقليل من التصريحات التي يدلي بها الرئيس دونالد ترامب عن الوضع الداخلي الإيراني أو الاستهانة بها.

 

صحيح أنه كثير الكلام ومتناقض لكن ليس بتلك السذاجة التي يعتقدها البعض بأنه غير مطلع على ما يحدث في الداخل الإيراني؛ فهو يتحدث إما من باب الحرب النفسية ضد النظام الإيراني أو أنه يستخدم استراتيجية التي يعتقدها بعض الناس عنه وهي السذاجة وبالتالي فهو يوهمهم بذلك ويوظف ذلك لخدمة الحرب.

التعنت والمكابرة (وهما صفتان لا علاقة لهما بالسياسة) ربما تؤدي إلى نتائج غير متوقعة فما يفعله النظام الإيراني «أنه يغلق الدائرة» على نفسه باتباع سياستين تتفق عليها كل الدراسات الاجتماعية بأنها تدمر أي نظام سياسي، فمن جانب يمارس الضغط على شعبه الذي قد ينفجر نتيجة لهذا الضغط.

 

ومن جانب آخر يتعمد هذا النظام على خسارة الأصدقاء في الجوار الجغرافي وفي العالم باتباع استراتيجية رفع تكلفة الحرب التي لا تضر الولايات المتحدة بقدر ما تتسبب في إضرار الدول الأخرى. ما بعد انتهاء مهلة الـ 60 يوماً في مذكرة التفاهم في 17 أغسطس، وتراجع سيناريو الحرب الشاملة فإن سيناريو الحرب الاقتصادية هو الأكثر ترجيحاً.

 

مقال للكاتب: محمد خلفان الصوافي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى