
تنبع قوة المجتمعات من متانة قيمها، ورسوخ وعي أبنائها، وقدرتهم على التمييز بين ما يبني وما يهدم، وما يجمع وما يفرق، وما يحفظ الأوطان ويصونها وما يفتح أمامها أبواب الاضطراب، فالمجتمعات التي تمتلك وعياً عالياً وقيماً أصيلة راسخة تشق طريقها بكل ثقة وتواجه التحديات بثبات واقتدار، فتحفظ وحدتها، وتصون أمنها، وتزدهر بالإنجاز والعطاء، مهما كانت التحديات.
والوعي المجتمعي درع وطني متين، يرسخ في النفوس احترام الوطن، وتقدير القيادة، وصون المؤسسات، وتعزيز المسؤولية، وترسيخ الوفاء، ويجعل الانتماء شعوراً نابضاً في القلب، وسلوكاً ظاهراً في كل ميدان، وموقفاً ثابتاً عند الشدائد، فيغدو كل فرد أميناً على وطنه، بفكره المشرق، ومبادئه الناصعة، وسلوكه الإيجابي، وتتحول التحديات إلى جسور نحو الريادة عبر مسيرة تلاحم لا تعرف المستحيل، يحيطها وعي يرى في الانتماء للوطن وقيادته نهجاً ثابتاً، وفي نهضته وريادته غاية أسمى، وفي حماية أمنه ومكتسباته مسؤولية كبرى، وفي صناعة مستقبله طموحاً متجدداً.
أدركت دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد أن بناء الإنسان الواعي أساس النهضة وعمادها، وأن الأوطان التي تستثمر في عقول أبنائها، وتغرس في نفوسهم الثقة بوطنهم، وتحصنهم بالفكر المعتدل، وتفتح أمامهم آفاق التميز والعطاء، تصنع مجتمعاً قادراً على حماية منجزاته، ومواجهة ما يستهدف وحدته واستقراره، ومن هنا جاءت مسيرة الدولة برؤية قيادتها الحكيمة قائمة على ترسيخ الوعي، وتعزيز الهوية، وصون الولاء، وبناء جيل يدرك أن الانتماء للوطن عهد ووعد، وأن الالتفاف حول قيادته عقيدة ومبدأ، وأن احترام مؤسساته نهج راسخ لا يتبدل، وبذلك تحول الوعي الوطني في الإمارات إلى ثقافة حياة، وممارسة أصيلة تتجسد في كل سلوك وموقف.
وتتأكد أهمية الوعي والقيم في عالمنا المفتوح، الذي غدا قرية صغيرة، تتعدد فيه المصادر، وتتزاحم الأخبار، وتصل الكلمة إلى كل بيت في لحظات، فتزداد الحاجة إلى وعي راسخ يزن الأمور بميزان الشرع والعقل والقيم، ويأخذ المعلومة من مصدرها الموثوق، ويتعامل مع ما يراه ويسمعه بروح مسؤولة تدرك أثر الكلمة وخطرها، ويعلم أن حب الوطن يظهر في التثبت قبل النشر، وفي حسن الفهم قبل الحكم، وفي تقديم المصلحة العامة على الانفعال العابر، ويستمد من ثقته بوطنه وقيادته قاعدة راسخة في ضبط سلوكه، وتحصين فكره، والذود عن مجتمعه ووطنه.
إنّ القيم قاعدة أخلاقية راسخة، والوعي بصيرة نافذة تنير العقول، وباجتماعهما تتشكل المناعة الوطنية الحصينة التي تحصن الأجيال، وتغرس في وجدانهم أن أمن الوطن أمانة عظيمة، وأن وحدته نعمة كبرى، فينشأ الفرد معتزاً بهويته، واعياً بما حوله، ثابتاً في مواقفه، قادراً على أن يجعل من قيمه نوراً يهديه، ومن وعيه درعاً يحميه، ومن ولائه لوطنه زاداً يدفعه إلى العمل والإخلاص، حتى يغدو المجتمع صفاً واحداً في حماية مكتسباته، ويداً في صون منجزاته، وقلباً واحداً ينبض بحب الإمارات، ويفخر بقيادتها، ويؤمن بأن الحفاظ على أمنها واستقرارها وسمعتها مسؤولية تتجدد في كل يوم، وتظهر في كل كلمة، وتتجلى في كل موقف.
والتحلي بالقيم الأصيلة والوعي اليقظ مسؤولية كل مواطن ومقيم، فالجميع شركاء في حماية المجتمع، ويتجلى ذلك في الإيمان بأن الكلمة مسؤولية، وإعادة النشر مسؤولية، وأن الوقوف مع الوطن في كل وقت وحين واجب أخلاقي ووطني، فالأوطان كما تحميها الجيوش والقوانين، تحميها كذلك قلوب وفية، وعقول يقظة، وألسنة أمينة، ووعي عام يدرك أن أمن الوطن مسؤولية الجميع، وأن منجزاته وازدهاره ثمرة انتمائهم وتلاحمهم ووفائهم، فيحرص كل فرد على أن يكون جداراً حامياً لوطنه في الشدة والرخاء، عوناً في البناء، وسنداً في العطاء، ووجهاً مشرقاً يعكس صورة المجتمع الإماراتي في أصالته ورقيه وتماسكه.
إنّ الوعي والقيم حصون المجتمعات لأنها تحفظ العقول من الاختراق، والسلوك من الانحراف، والوطن من حملات التشويه والاستهداف، فيبقى المجتمع متلاحماً، والأجيال واعية محصنة، تقف خلف قيادتها صفاً واحداً، وتمضي بالوطن إلى آفاق الريادة والتنمية والازدهار.
مقال للكاتب: أحمد محمد الشحي في صحيفة البيان.



