مقالات

جودة وهوية المونديال

يوسف الأحمد

جودة وهوية المونديال

 

 

مع كل دورة لمونديال كأس العالم، اعتدنا أن تسبق صافرة البداية أسئلة وشكوك لا تقل إثارة عن المباريات نفسها، بعدما ظهرت هذه النسخة مختلفة عن كل ما سبقها، ليس لأنها تقام للمرة الأولى في دول ممتدة عبر عشرات المدن وآلاف الكيلومترات فحسب، بل لأنها تمثل أكبر عملية تغيير في تاريخ البطولة منذ تأسيسها. 48 منتخباً و104 مواجهات بحضور جماهير من مختلف أنحاء العالم في نسخة أرادها الـ«فيفا» أكثر شمولاً واتساعاً وربحية، لكن التوسع الذي اعتبره بعضهم انتصاراً لعالمية اللعبة، فتح باب التساؤل حول قدرة البطولة على المحافظة على جودتها الفنية وهويتها التي صنعت سحر المونديال لعقود طويلة. ومنذ الأيام الأولى، ظهرت بعض التحديات التنظيمية المرتبطة بتأشيرات الدخول والتنقل بين المدن المستضيفة، وارتفاع تكاليف السفر والإقامة، فضلاً عن الأعباء اللوجستية الأخرى، بسبب توزع المنافسات بين ثلاث دول مختلفة، فهي تحديات متوقعة بحُكم حجم الحدث، لكنها تطرح تساؤلاً: هل أصبح المونديال أكبر من أن يُدار بالطريقة التقليدية؟

في المقابل، فقد تُعد فرصة كبيرة لدول لم تكن تحلم بالوجود في هذا المحفل، لكن الأصوات احتد جدالها حول هذا العدد المشارك، اعتقاداً أن ذلك قد يؤدي إلى اتساع الفوارق الفنية، وإلى تحول بعض المواجهات لمجرد أرقام إضافية في جدول طويل وممل. فالخوف أن يؤثر الحجم غير المسبوق للبطولة في هويتها التقليدية، إذ اعتادت الجماهير مونديالاً أكثر تركيزاً وتماسكاً، بينما تفرض هذه النسخة واقعاً مختلفاً يقوم على الانتشار الجغرافي وعدد أكبر من المباريات، وهو ما يجعل الحفاظ على الزخم الجماهيري والتنافسي تحدياً حقيقياً أمام المنظمين.

ورغم وجاهة هذه الملاحظات، فإن التقييم والحُكم في هذه المرحلة يبدو متسرعاً، إذ مازالت المنافسات في بدايتها، والمنتخبات لم تكشف عن أوراقها، كما أن قيمة وقوة كأس العالم لا تُقيم بالإشكالات والانطباعات المضطربة، بقدر ما تُقاس بما يقدمه الملعب من مستويات فنية ولحظات استثنائية ومتعة كروية تبقى عالقة في الذاكرة، عندها فقط سيكون بالإمكان معرفة ما إذا كانت هذه النسخة قد نجحت في تدشين هوية مستقبلية مختلفة، أم أن التوسع الكبير جاء على حساب خصوصية البطولة وسحرها المعتاد! فيا ترى هل سيكون مونديال 2026 بدايةً لعصرٍ ذهبي جديد للمستديرة، أو أنه تحول مُتسرع لأحلام أصبح واقعها صعباً، كلما كبرت واتسع أفقها؟

 

مقال للكاتب: يوسف الأحمد في صحيفة الإمارات اليوم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى