مقالات

أنظار العالم نحو جنيف

محمد خلفان الصوفي

أنظار العالم نحو جنيف

إذا فكرنا في أفضل عنوان للحدث التاريخي الذي تستضيفه اليوم الجمعة 19 يونيو 2026 المدينة السويسرية، جنيف، بين الولايات المتحدة وممثلي النظام الإيراني، أعتقد لن يخرج عن: العالم بين الأمل والحذر. الأمل، لأن ما سيتم سيعمل، ولو لوقت قصير، على حلحلة بعض الملفات التي أرهقت المجتمع الدولي، على رأسها ملف إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أثبت أنه شريان الحياة للعالم. أما الحذر، لأن ما يتم لا يزال إطار عمل أو مذكرة تفاهم صالحة لـ 60 يوماً، وبعدها سيتأكد العالم بأي اتجاه عليه أن يسير.

الكل في العالم يحتاج إلى إنهاء الحرب، ولكن بلا شك النظام الإيراني يحتاجه أكثر، فهو يواجه واحدة من أصعب التحديات منذ عام 1988، عندما أُجبر على قبول إيقاف الحرب مع العراق، وفق قرار مجلس الأمن الدولي 598، ويومها قال قائد النظام الخميني: «أتجرع كأس السم بقبول القرار»، اللحظة نفسها تتكرر اليوم، وإن في نظري أشد صعوبة من عام 1988، لأنهم يتصافحون مع الغريم الذي حاربوه قرابة نصف قرن من الزمن.

بشيء من الواقعية، التي تحتاج إلى شجاعة سياسية لقادة إيران، يمكن النظر إلى اتفاق اليوم فرصة مواتية لقادة النظام الإيراني لإعادة بناء دولتهم، والاندماج في المجتمع الدولي وفي الإقليم، كما فعل قادة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، مثل التخلي عن طموحاتهم التوسعية، وتعتبر ألمانيا اليوم من الدول القوية اقتصادياً وعسكرياً.

إذا ما نظر قادة النظام الإيراني اليوم إلى الاتفاق على مذكرة التفاهم، باعتبارها فرصة لتغيير فلسفة إدارة الدولة، من التركيز على المنطق العسكري، إلى اتباع سياسة التنمية الاقتصادية، كما فعلت كل من اليابان وألمانيا، فإن هذا يحتاج من النظام الإيراني إلى تحقيق شرطين عمليين:

الشرط الأول، وهو الأصعب على العقلية الإيرانية المبنية على الشعارات السياسية بتفوقها على الآخرين، وبتفوق العمق التاريخي، دون تركيز على الحاضر والمستقبل، وهذا الشرط هو قبول الهزيمة، انطلاقاً من حجم الخسائر المادية والمعنوية لدولة تمتلك حضارة، وكل مقومات التقدم من ثروات وشعب، باعتبار أن هذا الاعتراف ليس انكساراً، وإنما كونه تغيير فلسفة إدارة الدولة من العقلية العسكرية إلى قوة اقتصادية وتنموية، فهذه هي أدوات القوة الجديدة في العالم.

الشرط الثاني: تبنّي نظرية الاعتماد المتبادل في العلاقات الدولية التي صاغها واحد من كبار منظري المدرسة الواقعية، جوزيف ناي، صاحب كتاب القوة الناعمة، تركز هذه النظرية على دمج الدولة في علاقات تشاركية وتعاونية مع جوارها الجغرافي، وبالتالي، التخلي عن أوهام التفوق التاريخي القائم على أيديولوجيا ثورية، والشعارات السياسية الفارغة.. فكما هو معروف استراتيجياً أن الجغرافيا تفرض إرادتها على دول الجوار التعاون من أجل الحفاظ على أمنها واستقرارها، وربما منطقتنا أكثر منطقة في العالم تحتاج إلى الاستقرار والأمن، حيث أثبتت أنها أساس أمن الطاقة في العالم، بعد إغلاق مضيق هرمز.

شعب إيران لا يختلف عن باقي شعوب العالم، فهو يبحث عن حكومة تخدم مصالحه المعيشية، وليس عن عدد الصواريخ التي لديها القدرة على تدمير دول الجوار، التي تعتبر رئة اقتصادية لها.. ولا يوجد شعب في العالم يبحث عن حكومة جل اهتمامها تمويل ميليشيات عسكرية تخلق لها العداء مع المجتمع الدولي، كما يفعل النظام الإيراني في لبنان والعراق واليمن.. فاللوم الحقيقي في ما يعيشه الشعب الإيراني من عقوبات دولية، هي سياسات نظامه الذي اختار سلوكيات عدائية.

المأمول اليوم من النظام الإيراني، بعد التوقيع على مذكرة التفاهم، الانتقال من وضعية الحرب إلى خطاب سياسي يعمل على بناء عامل الثقة مع جواره، ينشغل بالتنمية والاستقرار الإقليمي.. لأن استمرار النظام الإيراني بالعيش في الانتصارات الوهمية، والتركيز على الانتقام والثأر، سيؤدي به إلى البقاء في خانة العزلة الدولية والإقليمية.

الكاتب. محمد خلفان الصوفي من صحيفة البيان الاماراتية.

زر الذهاب إلى الأعلى