مقالات

الإمارات.. الإجابة التي سبقت السؤال

نوفر رمول

الإمارات

 

«ماذا بعد الأزمة؟»، كان هذا عنوان إحدى جلسات منتدى الإعلام الإماراتي هذا الأسبوع، وهو سؤال يشغل المنطقة بأكملها بعد أكثر من مئة يوم من الحرب، التي أغلقت مضيق هرمز، وأعادت رسم كثير من الحسابات السياسية والاقتصادية: ماذا بعد الحرب؟ ماذا بعد إعادة فتح المضيق؟ ماذا بعد التفاهم الأمريكي الإيراني؟
بالنسبة إلى الإمارات بدا أن جزءاً كبيراً من الإجابة كان قيد التنفيذ بالفعل، فخلال مئة وخمسة عشر يوماً من الحرب، اتخذت الإمارات ثلاثة قرارات، كان يمكن لأي منها وحده أن يشكل تحولاً استراتيجياً في زمن السلم: خروج من منظمة أوبك أنهى عضوية تسعة وخمسين عاماً.
وإنشاء هيئة وطنية موحدة للذكاء الاصطناعي والبيانات تقود التحول نحو حكومة تعتمد الأنظمة الذكية في نصف خدماتها خلال عامين، وتسريع إطار استثماري بقيمة 1.4 تريليون دولار مع الولايات المتحدة، تجاوز مستهدفات سنته الأولى رغم ظروف الحرب.

ثلاثة قرارات اتُخذت فيما كانت الصواريخ تستهدف المنشآت الحيوية والمضيق مغلقاً. في ظاهرها تبدو هذه الملفات متباعدة، لكنها تلتقي عند هدف واحد: توسيع قدرة الإمارات على رسم خياراتها الاقتصادية والتكنولوجية في مرحلة إقليمية جديدة تتشكل أمام أعيننا، والدول التي تعد أدواتها أثناء الأزمة تملك حرية التموضع فيما بعدها، أما التي تنتظر فستتكيّف مع واقع صنعه غيرها.
في الجلسة نفسها، وصف الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، ما جرى بأنه أزمة للآخرين وفرصة للإمارات، وأكد أن «المنطقة هشة ولكن الإمارات صلبة»، الصلابة هنا تعني القدرة على اتخاذ قرارات طويلة المدى في أكثر اللحظات تعقيداً، والقدرة على النظر إلى ما وراء الحدث الآني، ورؤية التحولات التي تتشكل خلفه.
محمد العبار، مؤسس شركة إعمار العقارية، قدم مثالاً عملياً على هذه العقلية خلال جلسة أدارها حامد بن كرم رئيس تحرير «البيان». أثناء الأزمة جرى تصميم مشروع جديد بقيمة مئتي مليار درهم، وأُعيدت دراسة مشروع برج الخور على ضوء المتغيرات، التي فرضتها اضطرابات الشحن العالمية، مع الاستعداد لإطلاق مراحل التنفيذ وفق المعطيات الجديدة للسوق.
كما قدم العبار قراءة لسوق عقارية، تتجه نحو مرحلة أكثر توازناً في 2027 بعد سنوات من النمو المتسارع. المشترك بين هذه القرارات أنها تنطلق من قراءة للمرحلة المقبلة، وهو ما يفسر قدرة المؤسسات الإماراتية على تحويل فترات عدم اليقين إلى مساحة للاستعداد، وإعادة التموضع.

هذه القدرة على التفكير في المرحلة التالية تستند إلى قاعدة اقتصادية واسعة، بُنيت على مدى سنوات طويلة، ففي 2025 نما الناتج المحلي للإمارات بنسبة 6.2 في المئة متجاوزاً 517 مليار دولار.
فيما ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى 77 في المئة من الناتج، وسجلت نمواً بلغ 6.8 في المئة، تقوده قطاعات البناء والخدمات المالية والعقارات والنقل، وفي الفترة نفسها تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية تريليون دولار للمرة الأولى، مدفوعة بشبكة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، التي تربط الإمارات بأسواق تضم مليارات المستهلكين حول العالم.

هذه المؤشرات تفسر جانباً مهماً من المشهد، فالدولة التي تمتلك مصادر متعددة للنمو وحركة تجارية تمتد عبر القارات تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات طويلة المدى في فترات الاضطراب، ولهذا أكدت «ستاندرد آند بورز» التصنيف السيادي للإمارات عند AA، وأبقت «موديز» تصنيفها عند Aa2 مع نظرة مستقرة، في وقت كانت المنطقة تمر بإحدى أكثر مراحلها تعقيداً خلال العقود الأخيرة.
وفي الوقت ذاته كانت الإمارات توسع حضورها في القطاعات التي ستشكل الاقتصاد العالمي، خلال العقود المقبلة. خلدون المبارك، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة في شركة مبادلة للاستثمار، أعلن خلال لقاءات جمعته بنائب الرئيس الأمريكي ووزيري الخزانة والتجارة عن مشاريع، تشمل 5.7 غيغاواط من البنية الحوسبية داخل الولايات المتحدة، وأول مصهر ألمنيوم جديد هناك منذ خمسة وأربعين عاماً.
وفي الداخل تواصل الدولة بناء منظومتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، حيث يستخدم سبعون في المئة من قواها العاملة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وفقاً لمايكروسوفت، وهي النسبة الأعلى عالمياً. المشهد بأكمله يكشف اتجاهاً واحداً: استثمار اللحظة الحالية في بناء مزايا المرحلة المقبلة.

عنوان الجلسة كان «ماذا بعد الأزمة؟»، وخلال أشهر الحرب كانت الإمارات تحوّل هذا السؤال إلى سياسات واستثمارات وقرارات كبرى، ومع بدء تشكل النظام الإقليمي الجديد يتضح أن ما يبدو للآخرين مرحلة مقبلة ينبغي الاستعداد لها، أصبح في الإمارات جزءاً من الواقع الجاري بناؤه.

 

 

مقال للكاتبة: نوفر رمول في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى