
في إحدى أمسيات السبت، زرت مطعماً يابانياً في أحد أحدث فنادق دبي الفاخرة. ورغم المساحة الشاسعة للمطعم، فقد كان مكتظاً بالرواد. وعلمت لاحقاً أن المطعم مملوك، من بين آخرين، للممثل الأمريكي الشهير روبرت دي نيرو. وقد ذكّرني المكان بأفضل مطاعم نيويورك من حيث الأناقة والأجواء والطابع العالمي.
وأنا أغادر بعد أمسية ممتعة، وجدت نفسي أتأمل سؤالاً كثيراً ما يطرح نفسه كلما نظرت إلى مسيرة دبي: كيف استطاعت مدينة بدأت بإمكانات محدودة أن تتحول إلى واحدة من أبرز قصص النجاح الحضري في العالم؟
يكمن الجواب في قدرة دبي الاستثنائية على تحويل التحديات إلى فرص، والعقبات إلى إنجازات.
فدبي لم تكن تملك الاحتياطيات النفطية الضخمة التي تمتعت بها بعض المناطق الأخرى. كما أنها نشأت في بيئة صحراوية قاسية ذات موارد طبيعية محدودة، وكان عدد سكانها صغيراً. وقبل بضعة عقود فقط، كانت أجزاء واسعة مما نراه اليوم من أبراج شاهقة وأحياء حديثة مجرد مساحات من الرمال.
لكن دبي لم تنظر إلى هذه المعطيات باعتبارها قيوداً، بل تعاملت معها باعتبارها حافزاً للابتكار والتفكير خارج المألوف.
وقد دفعها محدودية الموارد النفطية إلى تنويع اقتصادها مبكراً، قبل أن يصبح التنويع الاقتصادي شعاراً متداولاً في أنحاء العالم. فاستثمرت في التجارة والخدمات اللوجستية والطيران والسياحة والقطاع المالي والعقاري والتكنولوجيا، وحولت موقعها الجغرافي إلى ميزة استراتيجية تربط بين الشرق والغرب.
واليوم يمكن رؤية نتائج هذه الرؤية في كل مكان.
فقد أصبح مطار دبي الدولي واحداً من أكثر مطارات العالم ازدحاماً بحركة المسافرين الدوليين، وتحولت طيران الإمارات من شركة إقليمية ناشئة إلى واحدة من أبرز شركات الطيران العالمية. كما نما ميناء جبل علي ليصبح من أكبر الموانئ وأكثرها كفاءة، فيما رسخ مركز دبي المالي العالمي مكانته كأحد أهم المراكز المالية التي تخدم منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
أما التحول العمراني فكان استثنائياً بكل المقاييس. فقد تحوّل شارع الشيخ زايد، الذي كان محاطاً بالرمال في مراحل سابقة، إلى شريان اقتصادي وعمراني يضم الأبراج والفنادق والمكاتب والمشاريع السكنية. وارتفع برج خليفة ليصبح أعلى مبنى في العالم، فيما أصبح دبي مول واحداً من أبرز الوجهات التجارية والترفيهية على مستوى العالم.
وكأي مدينة عالمية كبرى، فإن دبي ليست بمنأى عن الدورات الاقتصادية أو الأزمات الدولية. فالحروب والتوترات الإقليمية والتقلبات الاقتصادية العالمية، فضلاً عن أحداث استثنائية مثل جائحة كوفيد-19، قد تؤدي إلى تباطؤ مؤقت في النشاط الاقتصادي أو السياحي أو الاستثماري. وهذا أمر طبيعي بالنسبة لمدينة منفتحة ومندمجة بعمق في الاقتصاد العالمي. غير أن ما يغفل عنه البعض هو قدرة دبي المتكررة على التعافي السريع والخروج من الأزمات أكثر قوة. لذلك فإن تضخيم فترات التباطؤ المؤقتة أو اقتطاعها من سياقها التاريخي لا يصلح دليلاً على الفشل، كما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية أن توحي في مناسبات مختلفة. فالحكم على مدينة ديناميكية من خلال أصعب لحظاتها يتجاهل مسيرة طويلة من النمو والمرونة والقدرة على التكيف.
واللافت أن دبي لا تكتفي بما حققته حتى الآن، بل تواصل التخطيط للمستقبل بثقة وطموح.
فالمدينة تستثمر اليوم بكثافة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والاستدامة والاقتصاد الرقمي. كما تمضي في مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها توسعة مطار آل مكتوم الدولي ليصبح أحد أكبر مراكز الطيران في العالم. كذلك تهدف أجندة دبي الاقتصادية «D33» إلى مضاعفة حجم اقتصاد الإمارة خلال العقد المقبل وتعزيز مكانتها بين أهم مدن العالم في مجالات الأعمال والابتكار.
لقد أثبتت تجربة دبي أن التحديات لا تُواجَه بالتردد، بل بالطموح. فمحدودية الموارد تحولت إلى حافز للتنويع الاقتصادي، والبيئة الصحراوية أصبحت مسرحاً لإنجازات هندسية وعمرانية مبهرة، والمنافسة العالمية دفعت إلى الابتكار المستمر وإعادة ابتكار الذات.
وربما تكون هذه العقلية هي أثمن ما تملكه دبي.
أما بعض وسائل الإعلام الغربية، في رأيي، فلن تتوقف عن مهاجمة دبي. وفي الحقيقة أرى أن ذلك مؤشر جيد على النجاح، إذ نادراً ما يضيع الناس وقتهم في مهاجمة تجربة فاشلة.
الكاتب. عبدالحميد أحمد من صحيفة البيان الاماراتية.



