مقالات

الجَرّاح الذي لا يسافر

د. محمد النغيمش

الجَرّاح

 

 

تتواتر أنباء مبهجة، بين حين والآخر، من منطقة الخليج العربي لتكشف لنا النقاب عن إبداعات هذا الشعب المعطاء، وثمرات استثمار حكوماته في كوادرها.

ومن أحدث هذه البشائر ما بثته وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، أول من أمس، عن استشاري طب وجراحة العيون والشبكية د.خالد السبتي، الذي ابتكر روبوتاً ذكياً متخصصاً في جراحة العيون عن بعد، واعتبر «الأول من نوعه على مستوى العالم» وتم تطويره مع المهندس مشاري الجندل بدعم من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

هذا الجهاز الذي أطلق عليه اسم «ريبوتك» يمنح الجراح فرصة إجراء عمليات دقيقة بمشاركة زملاء آخرين من بلدان مختلفة عبر تقنية اتصال متطورة تعزز التعاون الطبي بين الخبرات العالمية.
وفي الجهاز نفسه «ممرضة روبوتية» تدعم الفريق الطبي وتدير مهام عدة في غرفة العمليات لرفع كفاءة أداء الجراحين. ودعم النظام بذكاء اصطناعي يحاول تقليل الأخطاء، ويحافظ على دقة العمل طوال سير العملية.

الجهاز كان نواة لفكرة مشروع بحثي عُرض في مؤتمر عالمي لجراحات الشبكية في الولايات المتحدة الأمريكية وحظي بإعجاب واسع النطاق، واعتبر «خطوة واعدة في مستقبل جراحات العيون». مؤسسة الكويت للتقدم العلمي تبنته حتى رأى النور.

ولمن لا يعرفها فهي أيقونة علمية بزغ نجمها عام 1976، وتقتطع كل الشركات المدرجة في بورصة الكويت نسبة من أرباحها، بحسب القانون، لتودع في ميزانية المؤسسة، وذلك لدعم العلوم والعلماء والمبتكرين وغيرها من مشاريع البحث والتطوير.

وهناك مشاريع جراحية أخرى رائدة منها ما قام به أطباء من الإمارات باستخدام الروبوتات في إجراء عمليات جراحية معقدة في تخصصات متعددة، كما برزت مراكز متقدمة في قطر في جراحة وزراعة الأعضاء، بينما حققت البحرين والسعودية وعمان إنجازات لافتة في توطين التقنيات الطبية الدقيقة ومحاكاة الجراحين والجراحة عن بعد. كل ذلك يصب في جهود توظيف العلم والتقنية لتوسيع فرص علاج المحتاجين على وجه السرعة، فضلاً عن رفع جودة الرعاية الصحية.

مشكلة الشباب العربي ليست الأفكار، فهي متدفقة ولكن التحدي الذي يواجههم هو قلة الدعم المادي المتاح (خارج الخليج). ولذلك حبذا لو كان في كل دولة مؤسسة متميزة مثل التقدم العلمي تدعم جهود العلماء وتعزز دور البحث العلمي. ولا بأس من برامج تلفزيونية متنوعة بعضها لاختراعات بسيطة وأخرى أعمق يقدمها كبار العلماء والأطباء.

أهمية الجراحات عن بعد تكمن في أنها عمل إنساني بحت في المقام الأول، فهي يمكن أن تعالج المحتاجين في أقاصي بلدان العالم والقرى النائية، حيث يصعب وصول التقنية الحديثة إليها، كما أن قيام كوادر دول الخليج بهذا العمل، هو نقل لخبرات من تعلموا في أفضل جامعات العالم للمحتاجين إليها، فضلاً عن استفادتهم من خبرات من سبقوهم حول العالم.

فالعملية الواحدة يشارك فيها أكثر من مختص يتبادلون خلالها الخبرات، كما أن مشروع الجراحة عن بعد يصب في صميم ما يسمى في أدبيات السياسة «بالقوى الناعمة» التي تظهر الجانب المشرق لهذا الشعب الخليجي المسالم، الذي جُبِلَ على العطاء.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الإعجاب بالإنجازات فحسب بل مزيداً من الاستثمار الجاد في العقول التي تصنع تلك الإبداعات. فكل مشروع بحثي ناجح لا بد أن يدخل إلى «بنك الأفكار» الوطني فيتم تصنيفه إلى تخصصات، يعطى كل مقترح أولوية بحسب معايير محددة.

ولا شيء أولى من منح الأبحاث الجراحية أولوية لما تقوم به من تخفيف وطأة معاناة المرضى. وهي في نهاية المطاف لا تتطلب سفر الجراح ولا طاقمه إلى أماكن بعيدة وخطرة.

 

مقال للكاتب: د. محمد النغيمش في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى