مقالات

التجربة اليابانية.. مادة التربية الأخلاقية

محمد سالم آل علي

التجربة اليابانية

 

 

حين نتحدث عن سرّ نهضة اليابان نقفز مباشرة إلى الكلمات الكبيرة: التكنولوجيا، الانضباط، الجودة، الاقتصاد، العمل الجماعي، لكننا ننسى دائماً مادة صغيرة تُدرّس في كل مدرسة يابانية منذ عقود، اسمها D-toku وتعني «التربية الأخلاقية»، تعتبر هذه المادة أساسية، بنفس وزن الرياضيات والعلوم، والهدف منها ليس تخريج عالم أو مهندس بل تخريج «إنسان». ادخل أي فصل D-toku في اليابان فلن تجد مدرساً يلقي موعظة، ستجد قصة تُطرح على الطاولة.

«لو وجدت محفظة في الشارع ماذا تفعل؟».

«إذا رأيت صديقك يغش في الامتحان، هل تصمت؟».

«هل تختار حضور مباراة فريقك، أم البقاء مع والدتك المريضة؟».

يناقش التلاميذ، يختلفون، يغضبون أحياناً، ثم يصلون إلى قرار، لا أحد يملي عليهم الصواب، هم من يكتشفونه ويتحملون تبعاته. بهذه الطريقة البسيطة يتعلم الطفل الياباني منذ الصغر أن الأخلاق ليست شعارات، بل قرارات يومية.

ترتكز مادة التربية الأخلاقية على ست ركائز، هي في الحقيقة دستور المجتمع الياباني غير المكتوب: الصدق، فالكلمة عندهم عقد لذلك ندر أن تجد موظفاً يخلف وعداً. الاحترام: احترام الكبير، احترام عامل النظافة، احترام القانون. المسؤولية: من الصف الأول الابتدائي، التلاميذ هم من ينظفون فصولهم بأنفسهم، القاعدة تقول: ما أفسدته بيدك أصلحه بيدك. التعاون: الفرد لا ينجح إلا إذا نجحت المجموعة. الانضباط: الطابور، الموعد، النظام، فالانضباط ليس قمعاً، بل هو أرقى صور احترام الآخر. الحكم الأخلاقي: وهو جوهر المادة، كيف تتخذ القرار الصحيح عندما تتعارض المصالح؟

النتيجة نراها بأعيننا، نراها في طوابير منتظمة أثناء الكوارث، وفي أطفال يركبون المواصلات وحدهم بأمان، وفي جمهور ينظف المدرجات بعد المباراة ويمضي. اليابانيون لم يولدوا بهذه الأخلاق، لقد تعلموها، وتعلموا لمدة 12 عاماً أن العيب قد يكون أسوأ من الرسوب.

تجربة اليابان مشعل نور يضيء لنا درباً. اليابان اختارت أن تستثمر في الضمير، فصنعت إنساناً قبل أن تصنع منتجاً، ولعل هذا هو الدرس الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى: الأمم لا تنهض بالتكنولوجيا وحدها، بل بالأخلاق التي تجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان.

 

مؤسس سهيل للحلول الذكي

مقال للكاتب: محمد سالم آل علي في صحيفة الإمارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى