مقالات

دبي ضمن الخمسة الكبار عالمياً في الشحن البحري

د. موزة العبار

دبي

 

 

في كتابه «راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد والباني».. يصف الصحافي البريطاني، جريم ويلسن، أحد إنجازات الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي، طيب الله ثراه، وهو ميناء جبل علي، بأنه أضخم ميناء من صنع الإنسان، وثاني أضخم مشروعين أنجزهما الإنسان على وجه الأرض بعد سور الصين العظيم والذي تلاه أيضاً مشروع «الحوض الجاف» لإصلاح السفن العملاقة.
لقد برزت دبي عبر ميناء جبل علي ومحطاته اللوجستية كمحور أساسي في شبكة الإغاثة الدولية، حيث تنطلق منها مواد الإيواء والإمدادات الطبية والغذائية إلى مختلف بقاع العالم عند وقوع الكوارث، وهذا الدور الإنساني يؤكد أن للموانئ وجهاً آخر غير الربح الاقتصادي وجهاً يعكس التضامن الإنساني العالمي عندما تسخَّر قدرات الخدمات اللوجستية للتخفيف من معاناة المنكوبين في أي مكان، وبذلك أصبح ميناء جبل علي رمزاً لتلاقي المصالح الاقتصادية مع القيم الإنسانية.
على صعيد آخر يمكن اعتبار ميناء جبل علي تجسيداً مادياً للعولمة ذاتها، حيث تقوم في الميناء عمليات إعادة توزيع للبضائع «ترانزيت» بين السفن العملاقة العابرة للمحيطات والسفن الأصغر التي تنقل الشحنات إلى الموانئ الإقليمية في الخليج وشبه القارة الهندية وشرق إفريقيا، حيث يتم تفريغ حاويات قادمة من شرق آسيا في جبل علي ثم تنقل على متن سفن أصغر إلى موانئ في عُمان أو باكستان أو كينيا.. هذا النموذج التشغيلي المحوري ضاعف من نطاق تأثير الميناء وأهميته، بحيث لا تقتصر خدماته على السوق المحلي بل تمتد عبر قارات عدة.
وقد حافظت دبي على موقعها ضمن أفضل خمسة مراكز للشحن البحري في العالم للعام الثامن على التوالي، وفق مؤشر تطوير مراكز الشحن الدولي 2026 الصادر عن وكالة الأنباء الصينية الرسمية «شينخوا» بالتعاون مع بورصة البلطيق العالمية، لتواصل تصدرها قائمة المراكز البحرية على مستوى العالم العربي، وتعزز مكانتها حلقة وصل رئيسية في حركة التجارة العالمية.
وجاءت دبي في المركز الخامس عالمياً في التصنيف بعد كل من سنغافورة التي حافظت على الصدارة، وشنغهاي التي صعدت إلى المركز الثاني، ولندن في المركز الثالث، وهونغ كونغ في المركز الرابع، فيما يعكس استمرار حضور الإمارة بين أكثر البيئات البحرية تنافسية على مستوى العالم.
ويقيّم المؤشر 43 مركزاً بحرياً دولياً وفق مجموعة واسعة من المعايير، تشمل أداء الموانئ، والخدمات البحرية المتخصصة، والتمويل والتأمين البحري، وإدارة السفن، والخدمات القانونية، واللوجستيات، والتحول الرقمي، وبيئة الأعمال.
وأشار التقرير إلى أن ميناء جبل علي واصل أداءه القوي خلال عام 2025، مسجلاً مستويات قياسية في عمليات المناولة، بعدما تعامل مع نحو 15.6 مليون حاوية نمطية (TEU)، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2024 والبالغ 15.5 مليون حاوية، ليحقق أعلى مستوى مناولة منذ عام 2015.
كما ارتفعت أحجام البضائع الواردة والصادرة عبر دبي بنحو 9% على أساس سنوي، ما يعكس توسع دور الإمارة كمركز تجاري عالمي لا يعتمد فقط على عمليات إعادة الشحن، بل على شبكة متنامية من التدفقات التجارية المباشرة مع الأسواق الدولية، وسجلت البضائع غير المعبأة في حاويات نمواً لافتاً، إذ تعاملت موانئ دبي مع نحو 1.5 مليون مركبة خلال العام، بزيادة 18% مقارنة بالعام السابق، فيما بلغت أحجام بضائع الشحن العام نحو 5.67 ملايين طن متري.
ولفت التقرير إلى أن قدرات دبي البحرية لا ترتبط فقط بحجم ميناء جبل علي، بل بمنظومة متكاملة تشمل الخدمات المالية والتأمين البحري والتحكيم وإدارة السفن والخدمات اللوجستية المتقدمة، كما عززت الإمارة حضورها الدولي عبر استضافة الفعالية الموازية لليوم البحري العالمي في سبتمبر 2025 بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية، تحت شعار «محيطنا.. مسؤوليتنا.. فرصتنا»، بمشاركة قادة القطاع لمناقشة إزالة الكربون والوقود البديل وتطوير الموانئ المستدامة.
واستضافت دبي كذلك في مايو 2025 معرض «سيتريد ماريتايم الإمارات»، الذي جذب أكثر من 9 آلاف مشارك، ليصبح أكبر حدث بحري ولوجستي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأكد التقرير أن استمرار توسعة ميناء جبل علي والاستثمارات في الأحواض الجافة، وتطور الخدمات البحرية، تمنح دبي قاعدة قوية لتعزيز قدرتها التنافسية وتقليص الفجوة مع المراكز الأربعة الأولى عالمياً.
ومما لا شك فيه يعكس استمرار وجود دبي ضمن الخمسة الكبار عالمياً تحول الإمارة من مركز إقليمي لإعادة الشحن إلى منصة بحرية عالمية متكاملة تجمع التجارة والخدمات المالية والابتكار والاستدامة، في وقت تتجه فيه المنافسة البحرية الدولية إلى ما هو أبعد من حجم الموانئ نحو بناء منظومات ذكية ومستدامة تدعم مستقبل التجارة العالمية.

 

 

مقال للكاتبة: د. موزة العبار في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى