مقالات

قرنان من السياسة الخارجية.. أمريكا والعالم

د.البدر الشاطري

قرنان
في الرابع من يوليو، احتفى الأمريكيون بـ 250 عاماً على ميلاد وطنهم الولايات المتحدة. من قبل نشأة الولايات المتحدة، كان الأنجلو-أمريكيون يخوضون غمار السياسة الدولية، الإدراك الذاتي للولايات المتحدة حتى قبل ولادتها أنها دولة استثنائية. ويخطئ البعض في فهم الاستثنائية الأمريكية بأنها فريدة.. فكل دولة فريدة في العالم إلى حد ما.. والمقصود بالاستثنائية الأمريكية معنى خاص يتعلق بأنه تفرد لا يشارك فيه أحد، لا سيما الآخر الأوروبي.

 

الاعتقاد بالاستثنائية هو إيمان مدمج في نشأتها وفي تكوينها الفريد والهجين من شعوب العالم وفي سعيها الدائم والدؤوب إلى الحرية، ولكن الولايات المتحدة ولدت بخطيئتين أصليتين حسب التعبير المسيحي: الإبادة الجماعية للسكان الأصليين من الهنود الحمر، واختطاف الأفارقة من موطنهم واسترقاقهم في أمريكا.

 

كل الدول لديها أساطير وطنية عن نفسها والأساطير لا تعني أنها غير حقيقتها، بل تعني فهم وسردية معينة للذات الوطنية، ما يهمنا أن هذه الأساطير والسردية الوطنية صاغت تعامل الولايات المتحدة مع العالم. الانخراط في الشأن الدولي للولايات المتحدة أقدم من استقلالها من بريطانيا، فقد تحالف الثوار الأمريكيون مع الفرنسيين ضد بريطانيا في حرب الاستقلال، وقد بعثت فرنسا الملكية قوات لمساندة الثوار بعد أن وقعت معاهدة تحالف مع الأمريكيين الثائرين.

 

ومن الشخصيات الفرنسية التي شاركت في الثورة تطوعاً ضابط اسمه ماركيز دي لافاييت، والذي شارك في الثورة الفرنسية بعد أن رجع إلى دياره، ولا تكاد أن تخلو ولاية من مدينة أو مقاطعة أو شارع أو كلية أو مدرسة أو مشروع تجاري إلا ويصدع باسمه.

 

وقد كان لافاييت مساعداً للجنرال جورج واشنطن قائد الثورة والرئيس الأول للولايات المتحدة، وقد أسر له الزعيم الأمريكي واشنطن بأن إمبراطوريته صغيرة الآن ولكنها ستكبر مع الزمن. نوايا التوسع موجودة قبل أن تستقل الولايات المتحدة.. وما لبثت أن كبرت من 13 مستعمرة في شرق البلاد إلى أن أصبحت قوة قارية تمتد من المحيط الأطلسي إلى أن تتجاوز المحيط الهادي عند جزر هاواي.

 

لم يكن توسعها القاري هو التوسع الوحيد، ولكنها تجاوزت ذلك بعد الحرب الأمريكية – الإسبانية العام 1898 واستولت على مستعمرات الأخيرة، حيث بسطت نفوذها على كوبا وبورتوريكو جنوباً وغرباً إلى غوام والفلبين، واتجهت شمالاً واستحوذت على ألاسكا من روسيا القيصرية والتي زادت مساحة الولايات المتحدة 20%. ويقول المؤرخ الأمريكي، دانيال إيميرفار، في كتابه كيف تخفي إمبراطورية: «تاريخ الولايات المتحدة الكبرى، إن الأمريكيين لا يعون كيف تشكلت الإمبراطورية الأمريكية رغم أنها توسعية ولكنها اخفت هذا التوسع عن أنظار مواطنيها».

 

لم يكن هذا التوسع بالسهل وكان مكلفاً للسكان الأصليين وبقية الشعوب في كثير من المناطق التي استولت عليها الولايات المتحدة، ففي الحرب المكسيكية- الأمريكية (1846 – 1848) أقدمت الولايات المتحدة على غزو المكسيك بسبب رغبتها في ضم تكساس، وعندما عارض المكسيكيون خطط الرئيس، جيمس بولك، نشبت الحرب وخسرت المكسيك نصف أراضيها، والتي ضمتها الولايات المتحدة، وهي ولايات الجنوب الغربي مثل كاليفورنيا، وأجزاء من أريزونا ويوتاه ونيفادا ونيومكسيكو، بالإضافة إلى تكساس، وقد سقط الكثير من المكسيكيين قتلى من المدنيين والعسكريين، حتى كندا لم تسلم من محاولة الغزو، وقد حاولت واشنطن غزوها مرات ومرات منذ القرن التاسع عشر لحرمان بريطانيا من موطئ قدم في أمريكا الشمالية.

 

وكانت الولايات المتحدة تتوجس من القوى الأوروبية وتدخلها في شؤون الأمريكيتين، وقد أنذر الرئيس جيمس مونرو في العام 1823، القوى الأوروبية من التدخل في شؤون الأمريكيتين، وأن أوروبا والعالم الجديد منطقتي نفوذ منفصلتين، وبذلك أصبحت أمريكا الوسطى والجنوبية منطقة نفوذ للولايات المتحدة.

 

ولبسط النفوذ الإقليمي والعالمي، احتاجت الجمهورية الجديدة لقوة عسكرية وخوض حروب داخل القارة الأمريكية للتوسع على حساب المواطنين الأصليين أو على حساب الدول ذات السيادة.

 

ويقول عالم الأنثروبولوجي، ديفيد فاين، في كتابه «الولايات الحربية المتحدة»، إن الولايات المتحدة كانت في حروب أبدية من نشأتها، وقد أقامت القلاع العسكرية في أراضي السكان الأصليين وشن الحروب عليهم للاستيلاء على أراضيهم ودفعهم إلى خارجها.

واليوم تقيم الولايات المتحدة قواعد عسكرية تصل إلى 800 قاعدة موزعة في أصقاع العالم.

ويصل الكاتب إلى قناعة بأن الحروب تقود إلى إنشاء قواعد، والتي بدورها تقود إلى حروب في مناطق العالم، مما يعزز الحروب الأبدية التي تخوضها الولايات المتحدة.

على ما يبدو فإن مطالبة الرئيس دونالد ترامب بكندا تارة وغرينلاند تارة أخرى لها جذور تاريخية وجزء أصيل من تكوين الدولة. وقد قال الشاعر:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر

 

وقتل شعب آمن مسألة فيها نظـر!
مقال للكاتب: د.البدر الشاطري في صحيفة البيان.
زر الذهاب إلى الأعلى