مقالات

من رسائل الجاحظ إلى رسائل «واتس أب»

د. كمال عبدالملك

الجاحظ

 

 

لماذا ينصرف بعض شبابنا عن التراث العربي؟

أَلأنّ الجاحظ والتوحيدي وابن سينا والغزالي والتنوخي لم يعودوا قادرين على مخاطبتهم، أم لأننا حبسنا أصواتهم في صفحات مثقلة بالشروح والاختبارات، حتى غدا التراث عقوبة مدرسية لا متعة عقلية؟

المشكلة ليست في النصوص، بل في الباب الذي نُدخل القارئ منه إليها، فالطالب الذي تمرّ أصابعه ساعات فوق شاشة الهاتف لن يفتح بشغف كتاباً قديماً إذا صدمته كلمات غريبة، لكنه قد يقترب إذا وجد نصاً موجزاً، وشرحاً رشيقاً، وسؤالاً يصل حياة الكاتب القديم بالحياة المعاصرة.

من هذه الفكرة وُلد كتابي الجديد – قيد النشر – «من رسائل الجاحظ إلى رسائل واتس أب: مختارات من النثر العربي»، الموجّه إلى طلاب المرحلة الثانوية والسنوات الجامعية الأولى في مصر ودول الخليج. لا يقدّم الكتاب تاريخ النثر موكباً جامداً من الأسماء والتواريخ، بل نهراً متعدد الروافد، تصبّ فيه الرسالة والحكاية والمناظرة والسيرة والرحلة والنادرة، ثم تلحق بها المدونة والتغريدة ورسالة «واتس أب».

في كتابي يلتقي القارئ مع الجاحظ والتوحيدي وابن سينا والغزالي وابن طفيل وابن عربي وابن فضلان والقزويني والشيخ البهائي والطهطاوي والشدياق والمويلحي، قبل أن ينتقل إلى أصوات معاصرة. ومن كل عمل اخترت صفحات متماسكة، فالمختصر لا يغني عن الأصل، بل يفتح نافذته ويغري بالدخول إليه.

وتعقب النصوص أسئلة أدبية وثقافية وأخرى تخيّلية: لو كان ابن سينا طالباً في جامعة الإمارات اليوم، أكان سيلتحق بالطب أم بالفلسفة؟ ولو امتلك الجاحظ حساباً رقميّاً، فهل كان سيقاوم الرد على كل تعليق؟

تقريب التراث لا يعني تسطيحه أو إلباس الجاحظ ثياب «المؤثر الرقمي»، بل إزالة الغبار عن الطريق إليه.

والعربية ليست قلعة تحاصرها اللهجات والشاشات، إنها بيت رحب، تسكنه الفصحى والعاميات ولغات العلم والصحافة والفضاء الرقمي.

ورسالة «واتس أب»، بما يتجاور فيها من خبر وتعليق وحكمة وصورة، تذكّرنا بـ«كشكول» الشيخ البهائي، الذي جمع أخباراً وأشعاراً وحكايات. والكشكول في أصله مخلاة السائل، يضع فيها كل عابر ما تجود به يده، وكذلك تجمع شاشة الهاتف خبراً وطرفةً، وحكمةً وصورةً، وتعليقاً وقصيدة.

وهكذا لا تقف رسالة «واتس أب» في مواجهة رسالة الجاحظ، فقد تكون الشاشة الصغيرة كشكول عصرنا، والنافذة التي يعود منها التراث العربي حيّاً إلى أيدي أبنائه.

 

 باحث زائر في جامعة هارفارد

مقال للكاتب: د. كمال عبدالملك في صحيفة الإمارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى