
غالباً ما أستغل فترات الانتظار، سواء في المطارات، أو محطات القطارات، أو أي مكان آخر، لقراءة صفحات من كتاب يزيد شغفي، ويأخذني إلى ميادين الحياة وعصور مختلفة، حيث تمتزج المعرفة بالتأمل.
وإن لم يكن الكتاب رفيقي كانت الكتابة ملاذي؛ فإذا طرق الإلهام أبواب هاجسي لم أجد بدّاً من أن أستجيب لندائه بقلمي، تاركة للكلمات أن تقودني إلى عوالم لا يبلغها إلا الخيال.
وفي مطار شارل ديغول بباريس، وبينما كنت في انتظار موعد الصعود إلى الطائرة المتجهة إلى وطني الإمارات، لم أكن أعلم أن الرحلة الحقيقية التي تنتظرني لم تكن مدونة في بطاقة الصعود، ولم تكن وجهتها مقعداً على متن طائرة، بل كانت رحلة إلى معنى الوطن، وإلى الإنسان، وإلى قيم جعلت من الإمارات وطناً للإنسانية قبل أن تكون وجهة للمسافرين.
أخرجت مدونتي، وجلست أكتب في عالم بعيد عن ذلك الحشد، وما إن بدأت أخط بقلمي، وتتوالى صفحات روايتي سطراً بعد سطر، حتى غاب عني ضجيج المكان، وكأنني انتقلت إلى عالم آخر لا يعرف سوى سكون الفكرة وجمال الكلمة.
كنت أحتضن جواز سفري وكانت الكلمات تنساب على صفحات مدونتي بعفوية، وكأن الكتابة أيقظت فكرة ظلت طويلاً تنتظر لحظة ميلادها.
ولم أشعر بمن حولي إلا على وقع صوتٍ هادئ يقول: «عذراً… هل تسمحين لي بسؤال؟»، رفعت رأسي، فإذا برجلٍ مسنٍّ تبدو على ملامحه حكمة السنين، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ودودة.
قلت: «تفضل».
قال: «ما الذي تكتبينه بكل هذا الشغف؟».
ابتسمتُ وأجبته: «أكتب رواية».
سألني: «وعن ماذا؟».
قلت: «عن الإنسان الإماراتي».
ساد صمت قصير، ثم قال بثقة: «إذن أنتِ لا تكتبين عن إنسان واحد، بل عن تجربة وطن بأكمله. لقد عشتُ في الإمارات سنوات، وما رأيته هناك لا يُقاس بما شُيّد من عمران، بل بما بُني في الإنسان. رأيت شعباً يحترم الإنسان لأنه إنسان، ويجعل من التسامح والإخلاص والعطاء أسلوب حياة، ولذلك أصبحت الإمارات وطناً يطمئن إليه كل من يعيش على أرضه.
وأشار إلى قاعة المغادرة التي ازدحمت بالمسافرين، وقال: «انظري إلى هذه الوجوه.. تختلف لغاتها وألوانها وثقافاتها، لكنها تتجه إلى مكان واحد. ليس لأن الطائرة ستقلهم إليه فحسب، بل لأنهم وجدوا فيه أمناً وكرامة وفرصة للحياة»، ثم ابتسم وأضاف:
«حين تنتهين من هذه الرواية احرصي على أن يقرأها العالم؛ فهناك أوطان تُعرَف بحدودها، وهناك أوطان تُعرَف بإنسانها.. والإمارات من هذا النوع».
غادر الرجل، وبقيت كلماته تملأ المكان. نظرت إلى بطاقة الصعود التي كنت أحملها، ثم أدركت أن الرحلة التي عشتها في تلك اللحظات لم تكن مطبوعة على ورقة، ولم تُحدد لها بوابة أو مقعد. لقد كانت رحلة إلى وطن الإنسانية.
الكاتبة . صبحة الراشدي من صحيفة البيان.



