مقالات

الحرب الأمريكية الإيرانية.. هل تفيد الصين؟

عماد الدين حسين

الحرب الأمريكية

 

 

هل صحيح أن الصين تستفيد من الحرب الأمريكية الإيرانية أم أنها تتضرر، وما أوجه الاستفادة أو الضرر؟ ‏هذا السؤال صار مطروحاً الآن بعد التقارير التي نشرتها وسائل إعلام أمريكية الأسبوع الماضي، خصوصاً شبكة CNN ووكالة رويترز وصحيفة واشنطن بوست، ومفادها أن الجيش الأمريكي استهلك 80 % من الصواريخ الاعتراضية وبعض أنواع الذخائر خلال الحرب الأخيرة.
وطبقاً لهذه التقارير، فإن هذا النقص هو السبب الأساسي الذي دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لوقف شن المزيد من العمليات العسكرية ضد إيران.

ترامب نفي الخميس الماضي هذه التقارير بل تعهد بمحاكمة الخونة الذين نشروا هذه الأخبار الخاطئة والكاذبة حسب وصفه. ‏

في الوقت نفسه فإن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، الذي نفي أيضاً هذه التقارير طلب تمويلاً من الكونغرس يتجاوز 67 مليار دولار لتغطية احتياجات السنة المالية الحالية، مؤكداً أن نقص التمويل قد يعرض قدرة الجيش على تجديد المعدات والذخائر للخطر‏.
والمعروف أن ترامب طلب قبل شهور من كبريات الشركات الأمريكية المتخصصة الإسراع بإنتاج المزيد من الأسلحة والذخائر.

السؤال مره ثانية ما علاقة كل ما سبق بالصين؟.. الإجابة ببساطة هي أنه في حالة صحة الأخبار التي تتحدث عن نقص كبير في مخزونات السلاح الأمريكية فإن ذلك سيكون رسالة وخبراً سعيداً جداً للصين. والسؤال مرة أخرى ما هي هذه الرسالة؟
نعرف أن العديد من الخبراء والمحللين والمعلقين يتحدثون عن أن المواجهة الأمريكية الصينية على زعامة العالم آتية لا محالة، هي قد تكون اقتصادية وتكنولوجية الآن، وغداً قد تكون عسكرية، وبالتالي فإن الصين تراقب بدقة مجريات الحرب الأمريكية الإيرانية لتعرف مواطن القوة والضعف لدى أمريكا.
وتفصيل ذلك ‏على سبيل المثال فلو ثبت فعلاً تناقص مخزونات الأسلحة الأمريكية فسوف يعني ذلك انكشافاً أمريكياً خطيراً، لأن السؤال الطبيعي الذي سيتم طرحه هو: ماذا لو حدثت مواجهة عسكرية طارئة بين كل من الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا، وكيف ستعوض الولايات المتحدة نقص الأسلحة؟
طبعاً هناك من يرى أن كل هذه التقارير الإعلامية تأتي في إطار سياسة التمويه والخداع الاستراتيجي الأمريكية مع الصين.. عملياً لا توجد إجابة نموذجية نهائية على السؤال المطروح، بل إن كل الإجابات تتوقف على مجموعة من العوامل المتغيرة.. مثلاً الصين ستستفيد بقوة إذا استمرت الحرب، فوزارة الحرب الأمريكية تحتاج إلى المزيد من حاملات الطائرات والدفاع الجوي والمقاتلات ومعلومات الاستخبارات، وإذا حدث ذلك فإنه يعني ابتعادها عن المحيطين الهادي والهندي، كما يعطي الصين المزيد من حرية الحركة في آسيا.
طول أمد المعركة في الشرق الأوسط سيؤدي، طبقاً للعديد من الخبراء العسكريين، إلى استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ والذخائر الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي وقطع الغيار، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى توسع النفوذ الاقتصادي الصيني، وتعزيز مبادرة الحزام والطريق، وزيادة الاستثمارات الصينية الخارجية وتعاظم صورة الصين كقوة سلام واستقرار واستثمار وليست قوة حرب.. لكن الاستفادة الكبري ستكون اختبار القدرات العسكرية الأمريكية، خصوصاً في استهلاك الذخائر وإدارة العمليات اللوجستية وأداء الدفاعات الجوية الأمريكية، وبالتالي تتمكن الصين من التخطيط لأي سيناريو مستقبلي يتعلق بالصراع المحتمل مع أمريكا سواء في تايوان أو المحيط الهادي.. لكن من المهم أن نتذكر أن هذا السيناريو لا يعني مكاسب صافية للصين وخسائر كبيرة للولايات المتحدة.
طول الصراع في المنطقة وتعطل الملاحة وخطوط الإمداد سيعني فوراً الإضرار بالاقتصاد الصيني الذي يعتمد على حاجته من الطاقة على منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي زيادة فاتورة الاستيراد، ما سيؤثر على الصناعة، وبالتالي النمو في الصين، بل وتهديد التجارة العالمية باعتبار أن الحرب ستؤدي إلى انخفاض الطلب وارتفاع تكاليف النقل، ما سيقود لحدوث ركود كبير متوقع في الاقتصاد الصيني.

في تقدير خبراء آخرين، فإن الانهماك الأمريكي الطويل لكن بصورة محدودة مع إيران سيكون مفيداً للصين، أما إذا تحول الأمر إلى حرب إقليمية واسعة فستتضرر الصين بسبب ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد وتهديد أمن الملاحة، وبالتالي تراجع الاقتصاد العالمي.
يمكن القول إن من مصلحة الصين أن يتم استنزاف المنافس الأمريكي دون انهيار الاقتصاد العالمي، لكن السيناريو الأسوأ للصين هو أن تتمكن الولايات المتحدة من هزيمة إيران وإسقاط وتغيير نظامها، وإذا حدث ذلك فستكون المتحكم الأكبر في الطاقة العالمية.. وبعبارة أخرى فإن مفتاح الاقتصاد الصيني سيكون وقتها في يد واشنطن.

 

مقال للكاتب: عماد الدين حسين في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى