مقالات

جريمة الغموض

أمينة خيري

جريمة الغموض

 

 

عادة، يغرق المتابعون والمشاهدون والمهتمون بأخبار الحروب والصراعات إما في طوفان أخبار متناقضة، أو يعانون تخمة خبرية تصيبهم بالغثيان، أو يجدون أنفسهم ضحايا الضغط العصبي والقلق المستمر الناجمين عن هذا الكم المذهل من المآسي.. أما أن يعاني الجميع إعياءً لفرط الغموض فهذا جديد حرب إيران.
اللغة المبهمة التي تستخدمها إيران، والرسائل المتضاربة التي ترسلها وتتبادلها مع أمريكا وبقية الأطراف الضالعة في المفاوضات، ونصوص الاتفاقات الهشة التي تعلَن اليوم ويتم خرقها غداً، والبيانات التي تصدر لتعني شيئاً ثم يصدر غيرها ليعني العكس أعيت من يتابعها.
تقارير عدة تشير بأصابع الاتهام إلى الفقرة الخامسة في مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، التي تنص على اتخاذ إيران الترتيبات اللازمة لاستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، ثم العمل مع سلطنة عمان لتحديد كيفية إدارته مستقبلاً.. الفقرة المتهمة تتضمن كذلك تعهداً إيرانياً بضمان المرور الآمن وإزالة العوائق العسكرية مثل الألغام، كلا الطرفين قرأها، أو قال إنه قرأها بشكل مغاير.
الإدارة الأمريكية اعتبرت أن نص الفقرة يعني إعادة فتح المضيق وضمان حرية الملاحة.. إيران اعتبرت الفقرة نفسها اعترافاً أمريكياً ضمنياً بأن إيران لها الحق الحصري في إدارة هرمز.
وكما يحدث في كل مرة في هذه الحرب، يصحو العالم على أخبار طيبة ومطمئنة بأن الحرب تقترب من نهايتها، وقبل أن يخلد إلى النوم، يفاجأ بأن مرحلة جديدة من الصراع تلوح في الأفق، وفي الصباح تهدأ نبرة التصعيد، لكنها تحتقن ظهراً، وقبل العصر بقليل تلوح دلائل خفض التوتر وهلم جرا، إلى أن أصيبت جموع المتابعين بالإنهاك والإعياء.. ووصل الأمر لدرجة أن خبراء ومتخصصين انخرطوا في تحليل نفسي سياسي، وبحث عصبي استراتيجي للخروج بشرح ما لهالة الغموض هذه التي أعيت الجميع.

وحتى لو كان الغرض هو إطالة أمد الحرب، فما يجري سابقة.. إطالة أمد الحروب سلاح معروف يعتمد على حلقات نفسية مفرغة، وحوافز اقتصادية ملتوية، ومراوغات تكتيكية بارعة، وذلك لشراء الوقت، أو إبقاء الصراع حياً، ولو على أجهزة التنفس الصناعي.. أما أن تستمر الحرب يوماً ويوماً وتستكمل التصريحات المتضاربة، ويلوح الشخص نفسه بورقة السلم والأمن والاستقرار بيد، وبالحرب والاضطراب والجزع باليد الأخرى، فهذا غريب وجديد.
ويعضد من هذا الغموض بالطبع الشح الشديد، لدرجة الجفاف التام، للمعلومات الحقيقية والمؤكدة الوارد من إيران.. القيود الشديدة المفروضة على التغطية الصحفية، وحجب أو التحكم الشديد في الوصول إلى الإنترنت، والترويج للروايات الخبرية والمعلوماتية المتضاربة، والهيمنة على السردية الواردة من إيران تقود حالة الغموض وتغذيها، وتستخدمها سلاحاً ضمن المسيرات والصواريخ والزوارق الحربية.
سلاح الغموض منهك للجميع.. وسيأتي وقت يستنفد فيه قوته، ويفقد إثارته ويعلن إفلاسه.

الغموض الاستراتيجي أو حروب المنطقة الرمادية سلاح معروف في الحروب الاستراتيجية، حيث إبقاء الحرب على نار هادئة، فلا هي مشتعلة، أو تظهر دلائل بأنها في طريقها للانطفاء، وهو ما يبقي الجميع على صفيح ساخن من القلق.. ويشار في هذا الصدد أن الجانب الأمريكي يعمد كذلك إلى هذا السلاح، ولكن بدرجات أقل، ويبدي استعداداً أكبر لإنهاء الصراع، حتى لو كانت النهاية المقترحة ليست الأنسب أو الأفضل.
كيف سيتعامل العالم مع تفشي الغموض واستفحاله؟.. ينامون على وقع مفاوضات واتفاقات لوقف التصعيد والمضي إلى الاستقرار، ويستيقظون على طبول الحرب تدق من جديد.

استمرار أمد الحرب، أو الإصرار على حالة الغموض حيث لا حرب ولا سلم، يدفعان بالملايين نحو الفقر.. النمو الاقتصادي العالمي يتضرر يومياً، ومعدلات التضخم تزيد، والضغوط اللوجستية للحياة اليومية تتزايد، ناهيك عن آثار غير مرئية تصيب ملايين، وربما مليارات البشر.
القلق واليأس والاكتئاب والإحباط وفقدان الأمل في المستقبل مشاعر تتسلل إلى الجميع دون أن يدركوا أن الحرب الأكثر غموضاً تنال من صحتهم النفسية والعقلية.

تقارير عدة تتناول آثار الحرب وغموض مآلها على المواطنين الإيرانيين، لكن الحقيقة أن الآثار تنعكس على الجميع.

وضعية اللاحرب واللاسلم مرهقة ومؤلمة ومكلفة، وتستحق أن تكون جريمة يحاسب عليها القانون الدولي.

 

مقال للكاتبة: أمينة خيري في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى