
في كثير من دول العالم، حين يتقدم الإنسان في العمر ويصبح بحاجة إلى رعاية مستمرة، تبدأ الأسرة في البحث عن دار للمسنين توفر له السكن والطعام والرعاية الصحية والتمريض.
وأصبح هذا المشهد جزءاً مألوفاً من الحياة الاجتماعية في مجتمعات عديدة، حتى بات انتقال الأب أو الأم إلى دار للمسنين مرحلة طبيعية من مراحل العمر.
أما في الإمارات فالصورة مختلفة، ليس لأن كبار السن لا يحتاجون إلى الرعاية، ولا لأن الدولة لا تمتلك الإمكانات لإنشاء أفضل مرافق الرعاية وأكثرها تطوراً، بل لأن المجتمع الإماراتي ما زال متمسكاً بعلاقة مختلفة مع كبار السن، علاقة تجعل مكان الأب والأم، مهما تقدم بهما العمر، بين أبنائهما وأحفادهما، في البيت الذي عاشا فيه وصنعا ذكرياته.
وهذه من أجمل قيم مجتمعنا التي تستحق أن نفتخر بها ونحافظ عليها.
لقد تغيرت الإمارات بصورة مذهلة خلال عقود قليلة. تغير شكل المدن والبيوت ونمط الحياة، ودخلت التكنولوجيا في أدق تفاصيل يومنا، وأصبح المجتمع أكثر انفتاحاً على العالم. لكن وسط كل هذه التحولات، بقيت الأسرة الإماراتية محتفظة بجزء كبير من بنيتها التقليدية وقيمها الأصيلة.
كبير السن في ثقافتنا ليس شخصاً انتهى دوره وأصبح بحاجة إلى من يتحمل أعباءه، بل هو ذاكرة البيت وبركته ومرجعيته. وجود الجد أو الجدة بين الأبناء والأحفاد لا يمثل عبئاً اجتماعياً، بل امتداداً طبيعياً للأسرة وجسراً يصل الأجيال بعضها ببعض.
وحين يحتاج أحدهما إلى المساعدة، تتحول الأسرة نفسها إلى منظومة رعاية؛ ابن يتابع علاجه، وابنة تهتم باحتياجاته، وحفيد يجلس معه، وأسرة كاملة تحاول أن تجعل سنوات العمر المتقدمة أكثر دفئاً وطمأنينة.
والدولة من جانبها تدعم هذا النموذج من خلال الخدمات الصحية والاجتماعية والرعاية المنزلية التي تصل إلى كبار المواطنين، مثل خدمة «وليف»، بحيث تكون الفكرة، قدر الإمكان، أن تصل الرعاية إلى الإنسان، لا أن يُقتلع الإنسان من بيته وذكرياته حتى يحصل عليها.
هذه العلاقة ليست مجرد عادة اجتماعية توارثناها، بل تعكس منظومة قيم متجذرة في المجتمع الإماراتي، أساسها الدين وبر الوالدين والتكافل وصلة الرحم واحترام الكبير. وهي قيم علينا ألا نتعامل معها باعتبارها مضمونة إلى الأبد.
فالمحافظة عليها ستكون أحد تحديات الأجيال القادمة.
التطور الاقتصادي والتكنولوجي لا ينبغي أن يقود بالضرورة إلى الفردية أو تفكك الأسرة. يمكن أن نسكن المدن الحديثة، ونستخدم أحدث التقنيات، ونعيش حياة القرن الحادي والعشرين، وفي الوقت نفسه يبقى الأب والأم في قلب البيت، لا على هامش حياة أبنائهما.
والتقدم الحقيقي ليس أن نتخلى عن قيم الماضي، وإنما أن نأخذ أفضل ما في المستقبل ونحن نحمل معنا أجمل ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا.
لقد بنت الإمارات ناطحات السحاب، وأرسلت أبناءها إلى الفضاء، وأصبحت نموذجاً عالمياً في التنمية والتحديث، لكن هناك إنجازاً اجتماعياً لا يظهر كثيراً في الأرقام والتقارير، وتبقى قيمته عظيمة في حياة الناس:
أن الأسرة الإماراتية ما زالت أسرة مترابطة، وأن كبيرها، عندما يضعف جسده وتثقل خطواته، لا يشعر بأنه أصبح خارج دورة الحياة، بل يجد حوله أبناءه وأحفاده، ويسمع أصواتهم، ويشاركهم تفاصيل أيامهم، ويجد نفسه في المكان الذي ينتمي إليه: بيته.
وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لآبائنا وأمهاتنا في سنوات العمر المتقدمة ليس المكان الأكثر فخامة، ولا الخدمة الأكثر تطوراً، بل ذلك الشعور البسيط والعظيم بأنهم ما زالوا في قلب حياتنا، وأن وجودهم ليس واجباً نؤديه، وإنما نعمة نعتز بها.
الكاتب. علي العامري من صحيفة البيان.



