مقالات

حكاية السيدة دارلين غراهام

عماد الدين حسين

حكاية السيدة دارلين

 

 

حينما يُسأل مرشح لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي في مناظرة سؤالاً محدداً بشأن قضية تايوان وبحر الصين الجنوبي وأهميتها لأمريكا ويرد بالقول إنه ليس متخصصاً في قضايا الأمن القومي، فهل هذا طبيعي أم لا؟ والسؤال الثاني: هل مطلوب من أي مرشح للكونغرس أن يكون خبيراً في كل القضايا العالمية أم لا؟
السؤالان صارا مطروحين بقوة في النقاش السياسي الأمريكي بعد مناظرة جرت بين المرشحين على بطاقة الحزب الجمهوري لعضوية مجلس الشيوخ دارلين غراهام نوردوني، ورالف نورمان، عن ولاية ساوث كارولاينا.
القصة متشابكة وتحتوي كل عناصر التشويق. دارلين هي الشقيقة الصغرى لعضو مجلس الشيوخ الراحل ليندسي غراهام الذي شغل هذا المقعد لأكثر من 20 عاماً، وكان أكثر أعضاء المجلس إلماماً بقضايا السياسة الخارجية، خصوصاً العلاقة مع الصين وتايوان.
حينما توفي ليندسي غراهام، عين حاكم ولاية ساوث كارولاينا الجمهوري هنري ماكماستر، دارلين لتحل محل شقيقها مؤقتاً حتى نهاية فترة العضوية في يناير المقبل. ‏الجديد والمثير أن دارلين قررت خوض الانتخابات في نوفمبر المقبل لكي تحصل على ولاية كاملة مدتها ست سنوات.
في 11 أغسطس جرت الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري فحصلت غراهام على المركز الأول، لكنها لم تحصل على الأغلبية لذلك ستواجه الجمهوري نورمان في جولة إعادة.
أما التطور الأبرز فحدث يوم 18 أغسطس حيث جرت مناظرة بين المرشحين وكان السؤال الموجه لغراهام: «هل تمثل تايوان وبحر الصيني الجنوبي مصلحة للأمن القومي، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا؟». دارلين تعثرت في الإجابة ثم قالت: «لست مطلعة بصورة كافية على قضايا الأمن القومي لأنه ليس مجالي».

بعد هذه الإجابة انفجر جدل كبير ليس فقط في ساوث كارولاينا، ولكن في الإعلام الأمريكي، وكان محور الجدل حول سؤال أساسي هو: هل يمكن لأي شخص الترشح لمجلس الشيوخ لمجرد أن يكون شقيقاً لعضو لامع سابق، أم ينبغي أن يكون ملماً بالقواعد الأساسية لنيل العضوية؟
‏قانوناً لا يشترط على المرشح أن يكون ملماً بكل الموضوعات ولا توجد اختبارات في القضايا العامة على المرشح أن يجتازها. والشروط تتعلق فقط بالسن والجنسية ومدة الإقامة بالولاية فقط.
لكن في المقابل فإنه من المفترض أن يكون كل مرشح على معرفة كافية بالقضايا الأساسية التي تدخل في صميم عمله، والسبب ببساطة أن عضو مجلس شيوخ مثلاً يشارك في اتخاذ قرارات تتعلق بإعلان الحرب واستخدام القوة وإرسال الجنود للخارج والمساعدات العسكرية والمعاهدات والاتفاقيات والعقوبات الدولية وتمويل وزارة الدفاع وتعيين كبار المسؤولين والرقابة على أجهزة الاستخبارات والعلاقات مع القوى الكبرى.

في تقدير خبراء كثيرين فإن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه دارلين أنها لا تدرك مدى أهمية قضية تايوان وبحر الصين الجنوبي لبلادها، وأن ما جعل كثيرين يهتمون بهذه القضية هو كون شقيقها الراحل من أهم المتخصصين في هذه القضية.
هي دافعت عن نفسها بأنها صريحة وأمينة ولم تتعمد الكذب وكل ما يشغلها هو أحوال المواطنين الذين يعيشون في ساوث كارولاينا مثل الضمان الاجتماعي والهجرة، ثم حاولت الدفاع عن نفسها أكثر بالقول إنها تدعم جيش بلادها وتقف معه في كل الجبهات، خصوصاً في مواجهة الصين.
لكن من وجهة نظر أخرى، فإن هذا التبرير ليس كافياً لسيدة تطمح إلى أن تكون عضواً في مجلس الشيوخ الذي يفترض أنه يضم أهم وأكفأ الخبرات بحكم صلاحياته ومسؤولياته.

ودليل صحة هذا الرأي أن منافسها نورمان كان ذكياً حينما أجاب بصورة صحيحة عن السؤال نفسه، ثم قال إن عضوية مجلس الشيوخ ليست وظيفة يمكن لشاغلها أن يتعلمها بعد أن ينجح فيها، بل ينبغي أن يكون عارفاً بأساسياتها.

‏أما السؤال الثاني الذي لم تستطع غراهام الإجابة عنه هو المتعلق ببحر الصين الجنوبي.

ربما يختار بعض سكان ساوث كارولاينا الجمهوريين غراهام لكي تخوض انتخابات مجلس الشيوخ انطلاقاً من اعتبارات محلية، وربما تتمكن من الفوز بمقعد في المجلس بسبب الاعتبارات نفسها، وربما تقديراً لمكانة أخيها، ‏لكن إذا حدث وفازت فإن البعض الآخر سيسأل قائلاً:
إذا كانت قضايا الأمن القومي ليست مجال المرشحة فما الذي يدعوها للترشح: هل فقط لأنها شقيقة ليندسي أو لأن ترامب يدعم ترشيحها باعتبار علاقته مع شقيقها الراحل، أم أن المفترض أن عضو الشيوخ ينبغي أن يكون ملماً بكل القضايا أو غالبيتها، خصوصاً التي تمس صميم الأمن القومي الأمريكي؟..

يسأل البعض مستنكراً هل بدأ النظام السياسي الأمريكي يتراجع لدرجة أنه قد يقبل عضوية مرشحة تقر بأنها لا تعرف شيئاً عن قضايا الأمن القومي؟ وإذا كان ذلك هو المعيار الجديد للترشح فكيف سيكون شكل الكونغرس القادم؟!

 

مقال للكاتب: عماد الدين حسين في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى