
يعج الفضاء الرقمي اليوم بالأخبار والمعلومات والصور والمقاطع على مدار الساعة، وتتسابق فيه المنصات والحسابات في نقل الأحداث وتداولها، حتى غدا الإنسان أمام سيل متتابع من المحتويات التي تصل إليه في كل آن، وهو ما يجعل ثقافة التثبت والتحقق ضرورة جوهرية.
وركيزة أساسية لبناء الوعي المجتمعي الرصين، وحصناً منيعاً يحمي العقول، ويصون المجتمعات، فالمعلومة قد تصبح موقفاً، والمقطع قد يشكل فكراً، والشائعة قد تتسع دوائرها في لحظات لتصنع واقعاً وهمياً في أذهان الآلاف.
وإن المتأمل في واقع العالم الرقمي يدرك أن مسألة التحقق من المحتويات أضحت من التحديات الكبرى التي تشغل الدول والمؤسسات والخبراء، فقد صنف تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، المعلومات المضللة والمغلوطة .
ضمن أبرز المخاطر العالمية خلال العامين المقبلين، وفق مسح شارك فيه أكثر من 1300 خبير وقائد من قطاعات متعددة، ما يدل على حجم هذا التحدي.
وتزداد أهمية هذه القضية حين ننظر إلى صناع المحتوى أنفسهم، فقد كشفت دراسة عالمية لليونسكو شملت 500 من صناع المحتوى في 45 دولة، أن 62% منهم لا يجرون تحققاً دقيقاً ومنهجياً من المعلومات قبل مشاركتها، وأن 42% يستخدمون عدد الإعجابات والمشاركات مؤشراً رئيساً للحكم على مصداقية المحتوى.
فيما أبدى 73% رغبتهم في تلقي تدريب على مهارات التربية الإعلامية والمعلوماتية، وهي أرقام تستحق الوقوف عندها، فالمحتوى الذي يصل إلى الملايين قد يمر أحياناً عبر معايير تقوم على الشعبية والانتشار أكثر من قيامها على التدقيق والتحقق، ما يجعل على عاتق المتلقي نفسه مسؤولية كبيرة في حماية وعيه، واختيار مصادره، وتمحيص ما يصل إليه.
وقد زادت تقنيات الذكاء الاصطناعي من أهمية ثقافة التحقق، بعدما أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع وأصوات ونصوص تحاكي الواقع بدرجات عالية من الإقناع، ليصبح التمييز بين المحتوى الأصيل والمحتوى الاصطناعي أكثر صعوبة، وبالأخص في أوقات الأزمات.
حيث تتسابق الحسابات في نقل التطورات، وتكثر الرسائل والمقاطع والتفسيرات، فتتأكد الحاجة إلى معرفة المصادر الموثوقة، والتريث أمام المحتويات قبل تداولها، ليكون التثبت ثقافة راسخة تتصدى لرياح التضليل الرقمي.
ويبرز هنا الدور الجوهري للأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام في غرس هذه الثقافة في نفوس الأجيال، فالأبناء الذين يدركون الفرق بين المصدر الموثوق والحساب المجهول، وبين الانتشار والمصداقية، وبين الخبر والرأي، يملكون مناعة ذاتية تحميهم من التضليل.
كما أن تنمية التفكير النقدي ومهارات البحث ومراجعة المصادر تجعل الفرد أكثر قدرة على التعامل مع العالم الرقمي بوعي واقتدار.
وقد قدمت دولة الإمارات في هذا الميدان نموذجاً عملياً متكاملاً، يقوم على توفير المعلومة الرسمية، ووضع الأطر التشريعية، وإشراك المجتمع في حماية الفضاء الإعلامي، من ذلك على سبيل المثال المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات U.ae التي تمثل نافذة موحدة للمعلومات والخدمات الحكومية الاتحادية والمحلية، بما يوفر للجمهور مرجعاً مباشراً للمعلومات الحكومية.
ومن ذلك أيضاً وكالة أنباء الإمارات (وام) والمكاتب الإعلامية الحكومية والجهات الرسمية التي تؤدي دوراً متواصلاً في نقل الأخبار والتحديثات من مصادرها، لتكون المعلومة الصحيحة متاحة للناس عبر قنوات واضحة وموثوقة.
وفي أكتوبر 2025 أطلق مجلس الإمارات للإعلام منصة «آمن»، لتتيح لأفراد المجتمع الإبلاغ مباشرة عن المحتوى المضلل وغير الآمن أو المخالف، ومنها المعلومات غير الدقيقة والشائعات، ليصبح الفرد نفسه شريكاً فاعلاً في حماية البيئة الإعلامية وصون المصداقية، إلى غير ذلك من المبادرات والبرامج التي تعكس تكامل التشريع والوعي والمشاركة المجتمعية في تعزيز فضاء إعلامي مسؤول.
إن ثقافة التحقق في العصر الرقمي صمام أمان للعقول، ودرع متين للمجتمعات، وركيزة جوهرية للمواطنة الرقمية الواعية، وهي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار الفرد والأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الوطنية، وكلما ترسخت هذه الثقافة ضاقت مساحات التضليل.
وأصبحت الكلمة أكثر مسؤولية والمعلومة أكثر أماناً، لتنشأ أجيال واعية محصنة تأخذ المعرفة من مصادرها الموثوقة، وتتفاعل مع أدوات العصر بوعي وبصيرة.
مقال للكاتب: أحمد محمد الشحي في صحيفة البيان.



