
أقرأ من حين إلى آخر أطروحات يتحسر أصحابها على الماضي، حين كانت المرأة تعلق شهادتها الجامعية على الحائط، ثم تتفرغ لرعاية زوجها وتربية أبنائها، ويرون في خروجها إلى العمل خسارة للأسرة، وتراجع عن نموذج اجتماعي كان أكثر استقراراً.
لكنني أتساءل: هل كان ذلك الاستقرار عادلاً للجميع، أم أن جزءاً منه كان يقوم على أن تتنازل المرأة وحدها عن فرصها وطموحاتها، لتتفرغ للأسرة؟
لا خلاف على أن الاستقرار الأسري قيمة مهمة، لكن ينبغي ألا نقيسه بما تكسبه الأسرة، ونغفل عما تخسره المرأة.
أعرف أن هناك رأياً آخر يستحق أن يُسمع. فالأم العاملة تواجه فعلاً تحديات ضخمة، مثل الدوام الطويل، والمواصلات المرهقة، والـمهام الوظيفية الضاغطة، تجعلها تعود إلى بيتها مستنزفة، فتشعر بأنها لم تعطِ أبناءها حقهم.
لكن الحل ليس أن نقول لها: استقيلي واجلسي في البيت!
بل أن نسأل أنفسنا: لماذا لا نجعل الجمع بين الأسرة والعمل أكثر إنسانية، وأقل كلفة؟
فالأم التي تعمل ثماني ساعات في اليوم، ثم تعود لتؤدي كل أعباء المنزل والتربية وحدها، لا تعاني سوء تنظيم الوقت بقدر ما تعاني خللاً في توزيع المسؤوليات، فالأب شريك في التربية، والمدير شريك في توفير ظروف أكثر مرونة، وأنظمة الموارد البشرية معنية بسياسات تجعل الحضانة والإجازات الأسرية والعمل المرن خيارات ممكنة.
ولكي أكون صادقاً في طرحي، فأنا لا أقتنع بالآراء الحادة التي تزعم أن عمل المرأة سبب في اختلال أوضاع الأسر، لكنني على يقين كامل بأن الشراكة العادلة بين الزوجين دعامة قوية للبيوت السعيدة، تضمن ديمومة استقرارها.
المطلوب إذن، أن نهدأ قليلاً، ونترك للمرأة مساحة حقيقية لتختار، فلا أحد أقدر على فهم ظروف المرأة، إلا المرأة نفسها.
كاتب وروائي إماراتي
مقال للكاتب: عبدالله النعيمي في صحيفة الإمارات اليوم.



