مقالات

الخليج واللحظة الفارقة

علي عبيد الهاملي

الخليج

 

 

 

لم تعد التحولات الكبرى التي يشهدها العالم تقف على أبواب الخليج، تنتظر دورها في الوصول إليه. الخليج اليوم في قلب هذه التحولات، يتأثر بها ويؤثر فيها، ويجد نفسه معنياً بنتائجها أكثر من أي وقت مضى.
من هنا تأتي أهمية انعقاد النسخة الثالثة من منتدى هيلي 2026 في أبوظبي، تحت شعار: الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار.

العنوان لا يعكس حالة من التردد، وإنما يعبر عن لحظة فارقة تفرض على المنطقة أن تختار بين مسارات مختلفة، في وقت لم تعد فيه الأزمات منفصلة، ولا تداعياتها قابلة للحصر داخل حدودها الجغرافية..
فقد كشفت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أن شرارة واحدة يمكن أن توسع دائرة الصراع، وأن ما يبدأ عسكرياً قد ينتهي تأثيره في أسواق الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.. وهذا يعني أن أمن الخليج لم يعد شأناً إقليمياً، وإنما أصبح جزءاً من معادلة الأمن والاستقرار الدوليين.

لعقود طويلة، اختُزلت أهمية الخليج في النفط والغاز وأمن الطاقة.. أما اليوم فقد تغيرت الصورة.. دول الخليج أصبحت مراكز مالية واقتصادية وتجارية ولوجستية، ودخلت بقوة إلى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة واستكشاف الفضاء.
كما أصبحت عواصمها منصات للحوار والوساطة وبناء الشراكات. هذا التحول يفرض سؤالاً مختلفاً: إذا كان الخليج قد تغير، فهل تغيرت معه الأدوات التي نتعامل بها مع أمنه؟

الواقع يقول إن مفاهيم الأمن التقليدية لم تعد كافية. فالحرب الحديثة لا تبدأ دائماً بصاروخ، وقد لا يكون السلاح الأخطر هو السلاح المعروف..
هناك الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، واستهداف المنشآت الحيوية، وتعطيل الاتصالات، وتهديد سلاسل التوريد.. لذلك أصبح الأمن منظومة متكاملة، تبدأ من حماية الحدود ولا تنتهي عند حماية الوعي.

من بين القضايا التي تفرض نفسها بقوة أمن الممرات الملاحية، من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، فهذه الممرات ليست مجرد طرق بحرية، وإنما شرايين للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها لا يبقى أثره في المنطقة، وإنما يصل إلى أسعار السلع وكلفة النقل والتأمين والتضخم في أسواق بعيدة،.
لهذا فإن حماية حرية الملاحة مسؤولية تتجاوز دول المنطقة، وتحتاج إلى التعاون أكثر من حاجتها إلى الاستقطاب.

الأمر ذاته ينطبق على سلاسل الإمداد، فقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن الوطني، الدولة التي لا تملك بدائل للغذاء والدواء والطاقة والتقنيات الأساسية، تكون أكثر عرضة للضغط مهما بلغت قوتها الاقتصادية، وربما يكون الدرس الأهم هنا أن القوة وحدها لا تكفي، فالمرونة أصبحت جزءاً من القوة.
في هذا السياق، يبرز دور القوى الوسطى في النظام الدولي، وهي قوى لم تعد تكتفي بمراقبة ما تفعله الدول الكبرى بعد أن أصبحت قادرة على التأثير وصناعة المساحات التي يمكن أن تلتقي فيها المصالح المتعارضة، ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذج واضح لذلك.
فهي توظف موقعها وإمكاناتها وعلاقاتها المتوازنة في بناء الجسور، وتعزيز الشراكات، وفتح قنوات الحوار، من دون أن تتخلى عن ثوابتها أو مصالحها الوطنية.

دولة الإمارات العربية المتحدة تدرك أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما أيضاً بقدرتها على منعها، أو الحد من آثارها، هنا تكمن قيمة منتدى هيلي وأهميته، فالمطلوب ليس أن نعيد وصف الأزمات التي يعرفها الجميع، وإنما أن نبحث عن إجابة للسؤال الأصعب: كيف نصحح المسار؟
الخليج عند مفترق طرق، لكنه ليس بلا خيارات، يستطيع أن يختار طريق الصراع والاستنزاف، أو طريق الحوار وبناء الثقة وترتيبات أمنية أكثر واقعية وتوازناً، وبين الطريقين تتحدد ليس فقط ملامح مستقبل المنطقة، وإنما جانب مهم من مستقبل الاقتصاد والاستقرار العالميين.
ربما لا يستطيع الخليج أن يمنع كل أزمة تقع حوله، لكنه يستطيع أن يكون أكثر استعداداً لها، وأكثر قدرة على امتصاص تداعياتها، وأكثر تأثيراً في منع تحولها إلى أزمة أكبر، وعند مفترق الطرق لا يكون الاختبار في معرفة الطرق، وإنما في امتلاك القدرة على اختيار الطريق الصحيح في الوقت الصحيح.

 

مقال للكاتب: علي عبيد الهاملي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى