ثقافة وسياحة أبوظبي تختتم النسخة الثانية من برنامج “تنقيبات حيّة اليوم المفتوح”

اختتمت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي النسخة الثانية من برنامج “تنقيبات حيّة اليوم المفتوح” التي عقدت يومي 20 و21 أكتوبر 2026 في موقع المعترض الأثري بمدينة العين. ورحبت هذه المبادرة المخصصة للعامة وجميع فئات المجتمع، التي أُقيمت هذا العام تحت عنوان “طبقات الحياة”، بالزوار وأتاحت لهم فرصة استكشاف شواهد أثرية تُوثّق النشاط البشري في الموقع على مدى أكثر من 4000 عام.
وانطلاقاً من النجاح الذي حققته نسخته الأولى في قرية هيلي 14 عام 2024، أتاح برنامج “تنقيبات حيّة اليوم المفتوح” للجمهور فرصة زيارة مواقع أثرية لا تكون متاحة عادةً للزيارة العامة. ومكّن البرنامج، الذي تشرف عليه دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، الزوارَ من مشاهدة أعمال التنقيب الأثري عن قرب، ولقاء علماء الآثار، والتعرّف إلى اللُقى المكتشفة، والاطلاع على المنهجيات العلمية المتّبعة في الكشف عن التراث الغني للإمارة وتوثيقه وصونه.
وفي الموقع المتواجد بمحاذاة واحة المعترض مباشرةً، ضمن “مواقع العين الثقافية” المُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، استكشف البرنامج كيف عاشت المجتمعات في هذه البيئة ذات الخصائص الطبيعية عبر آلاف السنين، وكيف مارست الزراعة وأدارت موارد المياه وشيّدت مستوطناتها. وضم الموقع شواهد أثرية لافتة ترجع إلى حقب زمنية مختلفة، بدءاً من مدفن جماعي يعود إلى العصر البرونزي، مروراً ببقايا منشآت ري ومعالم زراعية من العصر الحديدي، وصولاً إلى بقايا تعود إلى العصر الإسلامي المتأخر.
وقد هدف برنامج “تنقيبات حيّة اليوم المفتوح” إلى حماية التراث الأثري والثقافي لإمارة أبوظبي وضمان استدامته، وتعزيز الوعي العام بالعمل الآثاري من خلال التفسير العلمي، وتشجيع المشاركة المجتمعية في البرامج الثقافية المتخصصة. كما سلّط البرنامج الضوء، عبر تجارب ميدانية غامرة، على مواقع العين المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ووفّر للزوار فرصاً تفاعلية للتعرّف إلى علم الآثار واكتشاف أسراره.
وبهذه المناسبة، قال بيتر شيهان، مدير قسم المباني التاريخية في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي: “سُررنا بالترحيب بالزوار في النسخة الثانية من برنامج “تنقيبات حيّة اليوم المفتوح”، الذي أتاح لهم فرصة فريدة للاطلاع عن قرب على أعمال التنقيب الأثري واكتشاف القصص الكامنة في أرض العين ومشهدها الطبيعي. ففي موقع المعترض، تمكن الزوار من التعرّف إلى شواهد تُوّثق جوانب من الحياة تمتد لأكثر من أربعة آلاف عام، بدءاً من مدفن يعود إلى العصر البرونزي، وصولاً إلى بقايا زراعية وسكنية ودينية من فترات زمنية لاحقة، تقع بجوار الواحة. ومن خلال إطلاع الجمهور على الأعمال الجارية في الموقع، سلط البرنامج الضوء على أهمية البحث الأثري في حماية تراث أبوظبي وصونه والتعريف به، وتعزيز ارتباط المجتمعات بإرث الإمارة.”
وسلك الزوار مساراً إرشادياً عبر الموقع، يبدأ بمحطة “4000 عام في المعترض” التي عرّفتهم بتسلسل وتعاقب مراحل النشاط البشري في الموقع منذ العصر البرونزي المبكر وحتى الماضي القريب. ثم تعرّفوا إلى قصة اكتشاف الموقع خلال أعمال إنشائية عام 2023، وما تلاها من أعمال البحث الأثري والتوثيق والحفظ. كما اطّلعوا على الأساليب التي استخدمها علماء الآثار، ومنها الرادار المخترق للأرض، للكشف عن المعالم المحتملة المدفونة تحت سطح الأرض وإنتاج صور لما يكمن في باطنها.
وفي قلب الزيارة، قدّمت محطة “علم الآثار في الميدان” مدفناً جماعياً ضخماً يعود إلى نحو 2200–2000 قبل الميلاد. وقد شُيّد المدفن من الحجر الجيري، ويبلغ قطره نحو 10.8 متر، ويضم خمس حجرات أو مساحات داخلية لا تزال آثارها باقية. ورغم تعرّض المدفن للعبث في العصور القديمة، واصل علماء الآثار استكشاف تاريخه بالاستناد إلى ما تبقّى من عناصره المعمارية وطبقاته الأثرية وفخارياته وغيرها من اللُقى. كما أشار موقعه خارج النطاق الرئيسي للمعالم الأثرية المرتبطة بثقافة حقبة أم النار في هيلي، إلى أن المشهد الجنائزي للعصر البرونزي في العين كان أوسع نطاقاً مما كان معروفاً من قبل.
واستكشف البرنامج كذلك المشهد الزراعي للموقع خلال العصر الحديدي في محطة “الماء يصنع الواحة”، إذ كشفت الأعمال الأثرية عن قنوات ري ومنشآت للغرس وقطع أراض مزروعة، بما يوضح كيفية إدارة المجتمعات للمياه والأراضي خلال الألفية الأولى قبل الميلاد. وقدّمت هذه الشواهد الأثرية دلائل مهمة على العلاقة الراسخة بين الزراعة وإدارة المياه والحياة في الواحات بمدينة العين.
وتجلّت المراحل اللاحقة من النشاط البشري في المعترض، ضمن محطة “الحياة على أطراف الواحة” في بقايا مسجد من الطوب اللبن يعود إلى العصر الإسلامي المتأخر، إلى جانب جدران وأسوار، ومنشآت مرتبطة بإدارة المياه، وما يُرجَّح أن يكون برجاً أو منشأة دفاعية محصّنة. وتعود هذه البقايا على وجه التقريب، إلى الفترة الممتدة بين عامي 1650 و1900 ميلادية، , وألقت الضوء على حياة المجتمع وممارساته الدينية واستخدامات الأراضي والاستيطان على امتداد الطرف الغربي للواحة. أما في محطة “كيف تروي اللُقى القصص”، فقد اكتشف الزوار كيف أسهمت اللُقى الأثرية في فهم المجتمعات القديمة وصلاتها والبيئات التي عاشت فيها وأنماط سلوكها.
وعلى امتداد مسار الزيارة، تواجد علماء آثار متخصصون في كل محطة حيث أجابوا عن أسئلة الزوار وشاركوهم أبرز المعلومات حول الاكتشافات والأبحاث الجارية. كما تعرّف الزوار إلى مراحل العمل الأثري، بدءاً من التوثيق الدقيق للطبقات، مروراً بغربلة اللُقى المستخرجة وتنظيفها وفرزها ووضع البطاقات التعريفية عليها وتصويرها وصولاً إلى تحليلها.
واختتم البرنامج بتعريف الزوار بالرؤية المستقبلية للموقع، ففي محطة “من التنقيب إلى الحديقة التراثية” تعرّفوا إلى خطط حفظ البقايا الأثرية المهمة ودمجها ضمن مشروع “حدائق المعترض التراثية” المقترح، وهو مساحة عامة مظلّلة تجمع بين الآثار والمساحات المزروعة والممرات والمياه وأماكن الجلوس، وتحتضن الحياة اليومية للمجتمع. كما وضعت رحلة الزوار موقع المعترض ضمن المشهد التراثي الأوسع لمدينة العين من خلال محطة “اكتشف المزيد من العين”.
ومن خلال برنامج “تنقيبات حيّة اليوم المفتوح”، واصلت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي تحويل العمل الأثري إلى تجربة غامرة ربطت المجتمع بتراث العين الخفي، وعمّقت الفهم العام للإرث الأثري للإمارة، وأكدت أهمية الحفاظ عليه.





