الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ركيزتا «كهرباء دبي» نحو مستقبل المدن الذكية والمستدامة
سعيد محمد الطاير

لم يعد الذكاء الاصطناعي خياراً تقنياً تضيفه المؤسسات إلى عملها، بل أصبح ركيزة محورية في بناء المدن الذكية والمستدامة، وتطوير منظومات خدمية أكثر كفاءة ومرونة واستباقية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الريادة حكراً على من يمتلك التقنية، بل على من يحسن تحويل البيانات إلى قرارات، والتقنيات إلى قيمة مضافة، والخدمات إلى تجارب متكاملة تثري حياة الناس، وترفع جودة الحياة، وتدعم استدامة الموارد.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أرست القيادة الرشيدة منذ سنوات نهجاً استشرافياً جعل من الابتكار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي دعائم راسخة لمسيرة التنمية الشاملة.
واليوم، تتكامل أجندة دبي الاقتصادية D33، واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، واستراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، واستراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، واستراتيجية الحياد الكربوني 2050 لإمارة دبي، في رسالة واحدة واضحة: اقتصاد المستقبل لا يُبنى إلا ببنية تحتية ذكية، وخدمات رقمية متقدمة، ومؤسسات تمتلك القدرة على مواكبة المتغيرات وصناعة فرص جديدة للنمو المستدام.
ومن هذه الرؤية، ننطلق في هيئة كهرباء ومياه دبي بمسيرة نوعية نحو ترسيخ نموذج جديد للمؤسسات الخدماتية القائمة على الذكاء الاصطناعي. فقد أطلقنا خارطة طريق استراتيجية طموحة تهدف إلى أن تكون الهيئة أول مؤسسة خدماتية قائمة على الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، عبر دمج هذه التقنية في صميم عملياتنا الأساسية: من إنتاج الكهرباء والمياه ونقلها وتوزيعها، إلى خدمة المتعاملين، والعمليات المؤسسية، وإدارة الأصول، واتخاذ القرار.
وتعكس هذه الرحلة توجهاً شاملاً لإعادة صياغة طريقة عمل المؤسسة الخدماتية الحديثة برمّتها؛ فالذكاء الاصطناعي يمنحنا القدرة على الانتقال من الاستجابة إلى الاستباق، وعلى تحليل احتياجات متعاملينا بدقة أكبر، وتطوير حلول قادرة على التعلم والتحسن المستمر.
وهو، في الوقت نفسه، يرفع الإنتاجية والكفاءة التشغيلية، ويحسّن الاعتمادية، ويخفض التكاليف، ويسرّع إنجاز الخدمات، ويدعم استدامة الموارد في قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً مباشراً بجودة الحياة واستمرارية النمو.
ويأتي توظيف «الذكاء الاصطناعي المساعد» عبر منصاتنا الرقمية خطوة متقدمة على هذا الطريق. فقد بدأنا دمج هذه التقنية في الموقع الإلكتروني، والتطبيق الذكي، وتطبيق المكتب الذكي للموظفين، ولوحات البيانات والمنصات الداخلية، مع تركيز خاص على تصميم الخدمات، وتجربة المتعامل الرقمية، ومراقبة جودة التجربة، واختبار الأنظمة الرقمية. وهذا التوجه يتيح لنا تطوير خدمات تدعم المتعامل والموظف في آن واحد، وتحسّن الأداء المؤسسي بصورة مستمرة.
وتظل تجربة المتعامل في قلب هذه الرؤية. فمنذ إطلاق «رمّاس»، موظف الهيئة الافتراضي الذكي، عام 2017، واصلنا تطوير قدراته ليكون قناة ذكية وسهلة للتفاعل مع متعاملينا.
ومع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما في ذلك GPT – 4o، بات «رمّاس» أكثر قدرة على تقديم إجابات دقيقة وسريعة، والوصول إلى المعلومات ذات الصلة من مصادرنا الرقمية.
وقد تعامل «رمّاس» حتى اليوم، وبدون تدخل بشري، مع أكثر من 13 مليون استفسار من المتعاملين منذ إطلاقه، وهو رقم يعكس بوضوح أثر الذكاء الاصطناعي في تقديم تجربة أكثر سلاسة ومرونة وكفاءة.
وتمتد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لدينا إلى ما هو أبعد من الواجهة، لتعيد هندسة الخدمات من جذورها. ولعل المثال الأبرز على ذلك تقليص مدة استرداد مبلغ التأمين المستحق، للمبالغ حتى 4,000 درهم، من 4 أيام إلى 8 دقائق فقط. وهذا التحسين وحده يجسد ما يمكن أن يحققه التكامل الرقمي وتحليل البيانات من اختصار للوقت، وتبسيط للإجراءات، وتعزيز لسعادة المتعاملين.
وعلى المستوى التشغيلي، يدعم الذكاء الاصطناعي جاهزية بنيتنا التحتية الذكية، وموثوقية شبكات الكهرباء والمياه، وكفاءة الإنتاج والتوزيع، والصيانة التنبؤية، وإدارة الطلب.
وكذلك التكامل بين تشغيل منظومتي الكهرباء والمياه، والدمج الأمثل للطاقة النظيفة والمتجددة، وتخزين الطاقة، والإنتاج المرن للمياه وتخزينها، بما يعظّم قيمة كل ميجاوات ساعة يتم إنتاجها وكل جالون إمبريالي من المياه يتم إنتاجه.
ففي قطاعي الكهرباء والمياه تحديداً، يمثل التحول الرقمي وسيلة رئيسية لضمان استمرارية الخدمات، ورفع الكفاءة، وتعزيز أمن الطاقة والمياه، ومواكبة النمو المتسارع الذي تشهده دبي.
غير أن هذه المنظومة كلها لا تقوم إلا على حوكمة واضحة، وبيانات موثوقة، وبنية رقمية آمنة، وكفاءات بشرية قادرة على توجيه التقنية نحو خدمة الإنسان والمجتمع. ولهذا نولي اهتماماً خاصاً بتطوير قدرات موظفينا، وترسيخ ثقافة الابتكار، وتمكين فرق العمل بالأدوات والمعارف التي تتيح لهم توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء وإضافة قيمة مستدامة.
في النهاية، مستقبل المدن الذكية والمستدامة لا تصنعه التقنية وحدها، بل الرؤية التي توجهها، والمؤسسات التي تحسن توظيفها، والإنسان الذي يبقى محور كل تحول.
ومن هذا المنطلق، ستواصل هيئة كهرباء ومياه دبي دعم رؤية دبي ودولة الإمارات لبناء اقتصاد معرفي مستدام، وتعزيز مكانة الإمارة مركزاً عالمياً للابتكار، وتقديم نموذج ملهم في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، وحماية الموارد، وصناعة مستقبل أفضل لنا وللأجيال القادمة.
مقال للكاتب: سعيد محمد الطاير في صحيفة البيان.



