مقالات

النرجسية الصحية..!

منى خليفة الحمودي

النرجسية الصحية.

 

 

 

مع اقتراب موعد العودة إلى المدارس، يعود إلى ذهن كل أب وأم السؤال التربوي نفسه كل عام، وهو كيف نهيئ أبناءنا لعام جديد يحملون فيه، إلى جانب الحقيبة والقرطاسية الجديدة، قدراً من الثقة بالنفس والقدرة على التعامل مع الآخرين.
فكل أب يريد لابنه أن يكون واثقاً، وكل أم تخشى أن تربي طفلاً أنانياً لا يرى إلا ذاته، وغالباً ما يغيب عنا أن الثقة والأنانية ليستا طرفي نقيض كما نتخيل، بل وجهان لعملة واحدة، تُصاغ بشكل مختلف تماماً حسب طريقة تربيتنا.

وهذه بالضبط الفكرة التي يطرحها روبرت غرين في كتابه «قوانين الطبيعة البشرية»، حين يميز بين نوعين من النرجسية يحملهما كل إنسان، فهناك نرجسية «صحية» تسمح للفرد بأن يرى نفسه وأن يرى الآخر في آن واحد، ويوجه حساسيته نحو الخارج في صورة تعاطف أو إبداع.
وهناك نرجسية عميقة تحبس صاحبها داخل حاجته الدائمة للتقدير، فلا يعود قادراً على رؤية أحد سوى نفسه، والأهم أن هذا ليس قدراً محتوماً يُولد به الإنسان، بل نتيجة تتشكل عبر تجارب تكوينية مبكرة، إذ إن الطفل الذي وجد من يستجيب لمشاعره بصدق ينمو بثقة تسمح له بالانفتاح على غيره، بينما الطفل الذي كبر في غياب هذه الاستجابة، يقضي حياته لاحقاً بحثاً عن تعويضها من خلال التقدير المستمر.

وهذه الفكرة، رغم أنها مأخوذة من سياق نفسي بحت، تحمل درساً تربوياً عميقاً، فالقيمة الأولى التي ينبغي أن تُغرس في الطفل قبل أي قيمة أخرى هي التعاطف، أي القدرة على أن يشعر بما يشعر به غيره دون أن يفقد إحساسه بذاته، وهذه القدرة تُبنى عبر تجربة متكررة يكون فيها الطفل نفسه موضوع تعاطف حقيقي قبل أن يُطلب منه أن يمارسه مع الآخرين، ومن هنا يتضح أن ترسيخ القيم في الطفل ليس عملية خطابية، بل عملية «مرآوية» بامتياز.
فالطفل يبني صورته عن نفسه انطلاقاً مما يراه منعكساً في عيون من حوله، فهل يُنصت إليه المعلم حين يخطئ، أم يُحرجه أمام زملائه؟ وهل يشرح له الأب سبب غضبه، أم يفرض سلطته دون تفسير؟

وكل موقف من هذه المواقف الصغيرة يرسم في وعيه صورة عن ذاته، إما تسمح له بالتوسع نحو الآخرين، وإما تدفعه للانكماش داخل حاجته لإثبات نفسه.

ولعل أوضح مظهر عملي لهذا الخلل هو ظاهرة التنمر التي تؤرق كل مدرسة تقريباً، فالطفل المتنمر غالباً ليس شريراً بطبعه، بل طفل يفتقر إلى إحساس متماسك بذاته، فيلجأ إلى السيطرة على غيره بحثاً عن تقدير لم يجده في مكان آخر، بينما يتلقى الطفل الضحية ضربة موازية تماماً لإحساسه بأنه مرئي ومحترم، والمدرسة التي تكتفي بمعاقبة المتنمر دون أن تسأل عن جذر سلوكه، تُعالج العرض لا السبب، وتترك كلا الطفلين دون الفهم الذي يحتاجان إليه فعلاً.

 

مقال
وإذا صح هذا التصور، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله المدرسة والبيت معاً هو أن يتحولا إلى آلتين لإنتاج نرجسية سامة بدل نرجسية صحية، مدرسة تكافئ التفوق الأكاديمي وحده ولا تكافئ التعاطف، وبيت يحتفي بإنجازات الطفل الظاهرة ويتجاهل تجربته الداخلية، والنتيجة جيل يعرف كيف يتفوق على أقرانه، لكنه لا يعرف كيف يشعر بغيره، لأن أحداً لم يشعر به هو أولاً بالطريقة التي كان يحتاج إليها.
ولعل الخطوة الأولى نحو تصحيح هذا المسار أبسط مما نتخيل، وهي أن نتوقف قليلاً قبل أن نُصحح سلوك الطفل، ونسأله بصدق عما يشعر به، فالنرجسية الصحية ليست نقيض الاهتمام بالآخر بل شرطه الأول، إذ فقط حين يشعر الطفل أن ذاته مرئية ومسموعة، يكتسب القدرة على أن يرى ذوات الآخرين دون أن يشعر أن ذلك تهديد لوجوده، أما حين يُحرم من هذا الاعتراف، فإنه يقضي عمره يبحث عن تعويضه بأي ثمن.
وربما تبدأ التربية الحقيقية من عادة بسيطة نمارسها هذا العام، وهي أن نصغي إلى أبنائنا قبل أن نحكم عليهم، ونسأل عن دافعهم قبل أن نبادر بتصحيح فعلهم، فالطفل الذي يشعر أن أحداً يفهمه لا يحتاج إلى أن يثبت وجوده على حساب من حوله، وهكذا تكف القيمة عن أن تكون درساً يُلقن، لتصبح جزءاً من الطريقة التي يرى بها الطفل نفسه والعالم من حوله..!

 

مقال للكاتبة: منى خليفة الحمودي في صحيفة البيان.

زر الذهاب إلى الأعلى