مقالات

ليسوا ضيوفاً

عيسى عبدالله الزرعوني

ليسوا ضيوفاً

 

 

كان الفريج كله يسمع صوت أبي، وأنا وحدي كنت أسمع قلبي.

كنت صغيراً، وكان بيتنا قريباً من المسجد. تأخر المؤذن عن صلاة العصر، فتقدم والدي، رحمة الله تغشاه، ورفع الأذان. كانت المرة الأولى التي أسمعه فيها مؤذناً. لا أذكر كيف وصلت إلى المسجد، أذكر فقط أن الفرح كان أسرع مني.

وعادت إليّ تلك اللحظة حين قرأت خبر «مسابقة الأذان لكبار المواطنين»، التي نظمها مركز حميد بن راشد النعيمي لخدمة القرآن الكريم في عجمان. لم أرها منافسة بين أصوات، بل تذكيراً بأن صوت الكبير لا يتقاعد، ودوره لا يتحول إلى ذكرى.

وحين احتفت عجمان بصوت الكبير، جاءني السؤال الأصعب: هل حفظنا نحن خطوته داخل بيوتنا؟

نهيئ لضيف قد يزورنا ليلة غرفة كاملة، ثم يصبح والدانا ضيفين في بيت لا تأمن فيه خطواتهما. نقف طويلاً أمام لون السيراميك وشكل المغاسل، ولا نسأل: هل الأرضية آمنة؟ وهل الباب يتسع لكرسي متحرك؟ وهل في الحمام ما يسند يداً أضعفها العمر؟

نحن نبني للعين، ثم نطلب من العمر أن يتدبر أمره.

وفي أبوظبي، قدمت مبادرة «بركتنا»، التي أطلقها صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، جواباً عملياً، إذ تشمل في جانبها السكني تحسين المرافق الرئيسة التي يستخدمها كبار المواطنين، واعتماد وحدات سكنية لإقامة الوالدين في مسكن أحد الأبناء.

وما تقدمه «بركتنا» يستحق أن يصبح ثقافة بناء في إماراتنا كلها، لا حلاً نبحث عنه بعد أن تثقل الخطوة. فالمبادرات تستطيع تعديل بيت قائم، لكنها لا تستطيع تعديل ترتيب أولوياتنا.

نصمم بيوتنا كما لو أن أعمارنا ستبقى ثابتة، ثم نندهش حين لا تناسب من ربّونا، ولا تناسبنا نحن غداً.

فالبيت الصديق لكبارنا يبدأ على ورقة المخطط، قبل أول حجر، لا بعد أول عثرة. ومن يبني بيتاً اليوم، فليضع كبار عائلته في المخطط قبل الأثاث، فهم ليسوا ضيوفاً في بيوتنا، بل أصل البيت، ولو كانت المفاتيح في جيوبنا.

 

إعلامي

مقال للكاتب: عيسى عبدالله الزرعوني في صحيفة الإمارات اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى