
تعد رواية «تانغو مع الشيطان» للكاتب المجري، لازلو كراسنارهوركايي، واحدة من أبرز الروايات الأوروبية المعاصرة وأكثرها تأثيراً في الأدب الحديث. وقد نشرت للمرة الأولى في عام 1985 وحصلت على جائزة نوبل في الأدب 2025.
واكتسبت مكانة خاصة بين أعماله، وبين النقاد والقراء بسبب قدرتها الفريدة على الجمع بين العمق الفلسفي والرؤية الاجتماعية والنقد السياسي في عمل أدبي واحد.. أهمية الرواية لا تنبع من أحداثها فحسب، بل من الأسئلة الكبرى التي تطرحها حول الإنسان والمجتمع والأمل والوهم، خاصة في زمن الأزمات التي تحيط بالمجتمعات وتفقدها البوصلة.
تدور أحداث الرواية في منطقة ريفية فقيرة تعاني التدهور الاقتصادي والانحلال الاجتماعي والعشوائية السياسية، ويعيش السكان إحباطاً وركوداً وفقدان ثقة بالمستقبل..
وبينما تبدو القرية وكأنها وصلت إلى نهاية الطريق، يظهر رجل يعود بعد غياب طويل ليقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع جديد يمكن أن يغير حياة الجميع.. وسرعان ما تتعلق به آمال السكان، ويبدأ كثير منهم في تصديق وعوده ورؤية الخلاص في شخصه واتباع أوامره ونواهيه على أنه المخلص!
لكن الرواية لا تتحدث عن هذا الرجل بقدر ما تتحدث عن القابلية لتصديق الوهم، عندما تشتد الأزمات في المجتمع يكبر الوهم، فالكاتب يبين كيف يمكن للخوف واليأس وفقدان الأمل أن تدفع الناس للتمسك بأي وعد، مهما بدا غير منطقي..
وهنا تتجاوز الرواية حدود المكان والزمان لتصبح دراسة عميقة في طبيعة المجتمعات عندما تفقد القدرة على التفكير النقدي، وتمسح ذاكرتها لتحل بديلاً عنها خرافات وأساطير أساسها تزييف الوعي.
اختيار عنوان «تانغو مع الشيطان» لم يكن أمراً عابراً، فالتانغو رقصة تعتمد على التقدم والتراجع في آن، وهي صورة رمزية لحركة الشخصيات داخل الرواية، يعتقد الجميع أنهم يتقدمون نحو مستقبل أفضل، لكنهم في الحقيقة يدورون في دائرة مغلقة تقودهم إلى مزيد من الخيبة، ومن خلال هذا الرمز يطرح الكاتب سؤالاً مؤلماً: كم مرة وإلى أي مدى تتوهم المجتمعات أنها تتقدم بينما هي تعيد إنتاج أخطائها القديمة القاتلة؟
من أبرز ما يميز الرواية أسلوبها الأدبي الخاص، فالجمل الطويلة والوصف الدقيق والإيقاع البطيء ليست مجرد أدوات فنية، بل جزء من التجربة الفكرية التي يريد الكاتب نقلها إلى القارئ..
يشعر القارئ أحياناً بالثقل والانتظار والضياع، ويكاد أن يترك قراءتها، وهي المشاعر نفسها التي تعيشها الشخصيات في الرواية، لذلك تصبح طريقة السرد جزءاً من الرسالة وليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث.
أهمية الرواية والتي ترجمت إلى عدد من اللغات، بينها العربية، تكمن في عصرنا الحالي في أنها تفسر كثيراً من الظواهر التي نشهدها حول العالم، ففي أوقات الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية يظهر دائماً من يعد الناس بحلول سهلة وسريعة، ومع انتشار وسائل الإعلام الحديثة وشبكات التواصل أصبحت صناعة الأوهام أكثر سهولة من أي وقت مضى، لذلك تبدو الرواية وكأنها تحذير مبكر من الانجراف وراء الخطابات الشعبوية والوعود المطلقة.
كما تذكرنا الرواية بأن المؤسسات القوية والعقل النقدي أكثر أهمية من البحث الدائم عن البطل المنقذ، فالمجتمعات التي تبني مستقبلها على الأشخاص وحدهم تصبح أكثر عرضة للخيبة، بينما المجتمعات التي تبني نظمها على القواعد والمؤسسات تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
لهذا السبب بقيت «تانغو مع الشيطان» عملاً أدبياً حياً ومؤثراً.. إنها رواية عن الوهم والأمل والخلاص الزائف، لكنها في الوقت نفسه دعوة إلى التفكير الحر ومواجهة الواقع، ورسالتها النهائية أن أخطر الأوهام ليست تلك التي يفرضها الآخرون، بل تلك التي نصنعها لأنفسنا عندما نعجز عن مواجهة الحقيقة.
الكاتب. محمد الرميحي من صحيفة البيان الاماراتية.



