
حين تعود بي الذاكرة إلى البدايات الأولى في جامعة الإمارات، وتحديداً إلى المرحلة التي تشرفت خلالها برئاسة قسم علم الاجتماع، أستعيد سؤالاً أكاديمياً ظل حاضراً في نقاشاتنا: كيف تتحول النظريات الاجتماعية إلى سلوك وطني مستدام، يحمي الهوية، ويمنحها القدرة على العبور بين الأجيال؟
ومن ذلك الهاجس الأكاديمي، امتدت رحلتي إلى ميدان العمل الثقافي والاجتماعي، حيث أسست في 1992 «رواق عوشة بنت حسين الثقافي»، ليكون منصة تجمع المعرفة بخدمة المجتمع، وتربط الهوية الوطنية بالتعليم والعمل المجتمعي، وخلال مسيرته، احتضن الرواق الكثير من الندوات الفكرية والاجتماعية، وناقش قضايا الأسرة والمجتمع، وأطلق المبادرات والجوائز والحملات التوعوية الثقافية والاجتماعية.
وفي قلب هذه الأنشطة، ظل التراث الإماراتي حاضراً عبر توثيق الذاكرة الشعبية، وتنظيم المهرجانات والأمسيات المرتبطة بالعادات والأزياء والصناعات الشعبية، وإصدار الكتب التي تحفظ تجربة العمل الثقافي، بالتوازي مع مبادرات اجتماعية وخيرية، اهتمت بالمرأة والطفل.
وكرمت أصحاب الأثر الإنساني. واليوم، ونحن نتابع إطلاق جائزة «أعوام الإمارات»، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، نجد رؤى وطنية ممتدة واسعة شاملة، تجيب عن السؤال بوضوح: التحفيز واستنهاض الهمم، هو الذي يحول النظريات الاجتماعية إلى سلوك مستدام، بالتركيز على التجربة والتعليم والخدمة المجتمعية، وقراءة الذاكرة التي امتد أثرها إلى حياة الناس.
من وجهة نظري، تنبع الأهمية العميقة لهذه الجائزة، من قدرتها على حفظ الأثر بعد انتهاء المناسبات الزمنية، فكل عام وطني يفتح أمام المجتمع مجالاً للتأمل والعمل والمشاركة.
وتأتي الجائزة لتجمع النتائج المتميزة، وتوثقها، وتمنحها فرصة الاستمرار والتطور، فتصبح مجموعة من الطبقات الهندسية المشيدة بالمعرفة والخبرة، ويصبح لكل عام رصيد يمكن أن تستفيد منه الأعوام التالية، فتتكون ذاكرة وطنية عملية، تحفظ ما أنجزه المجتمع، وتضيف إليه.
وتقدم رؤية صاحب السمو رئيس الدولة، فهماً عميقاً للعلاقة بين الهوية والمستقبل، فالهوية في الفكر القيادي الإماراتي طاقة توجه التنمية، وتمنح الإنسان وضوحاً داخلياً، وهو يتفاعل مع عالم سريع التحول، فاتسعت آفاق الدولة في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، وازدادت قيمة الجذور التي تمنح هذا التقدم معناه الإنساني والوطني.
منذ أن أطلقت الدولة فكرة تسمية «أعوام الإمارات» في نهاية 2014، تشكّل مسار وطني، يربط كل عام بأولوية استراتيجية، تستنهض المجتمع بمؤسساته وأفراده حول قضية وطنية جامعة، وخلال هذه المسيرة، تحولت الموضوعات السنوية إلى مبادرات وتجارب ومشروعات وقصص نجاح، تركت آثاراً متراكمة في الوعي المجتمعي، ورسخت ثقافة المشاركة والعمل الجماعي في خدمة الأولويات الوطنية.
واليوم تأتي جائزة أعوام الإمارات، لتضيف بعداً جديداً إلى هذه المسيرة، فهي تحفظ هذا الرصيد الوطني، وتكرم النماذج التي صنعت أثره، وتمنح التجارب المتميزة فرصة الاستمرار والإلهام.
ويأتي الإشراف الكريم من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وسمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان نائب رئيس ديوان الرئاسة لشؤون المشاريع الوطنية، ليعزز تكامل هذه المنظومة، ويضمن استدامة أثرها، وتنسيق جهودها على المستوى الوطني.
ومن منظور علم الاجتماع، تكتسب الجائزة أهمية خاصة، لأنها تنقل الأولويات الوطنية من مستوى التوجيه العام إلى مستوى المشاركة المجتمعية، فلا شك أن القيم الكبرى تترسخ عبر مساهمة الأسر والمؤسسات والجامعات، والمدارس، والقطاع الخاص في ترجمتها إلى مبادرات قابلة للقياس والتطوير.
ومن هنا تأتي جائزة أعوام الإمارات، لتمنح هذه الجهود إطاراً وطنياً جامعاً، يبرز النماذج الملهمة، ويشجع على تراكم الخبرات، ويحول المبادرات الناجحة إلى مرجع تستفيد منه مؤسسات أخرى في الأعوام اللاحقة. كما تمنح الجائزة المؤسسات فرصة لمراجعة أثرها الثقافي والاجتماعي، فالمشروع الناجح يمتلك قدرة على الاستمرار، والقياس، والتطوير، والوصول إلى الناس.
وقد أتاحت مبادرة عام الأسرة للشركاء في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، أدوات تساعدهم على تصميم المبادرات، وقياس أثرها، وربطها بالأولويات الوطنية، بما يعزز حضور العمل المؤسسي داخل المشروع المجتمعي الكبير. لقد تعلمت من رؤى القيادة الحكيمة.
ومن الرحلة الممتدة بين قاعات المحاضرات الجامعية، وأروقة العمل الثقافي، أن الأثر يولد حين تلتقي الفكرة بالناس، ثم تجد مؤسسة ترعاها، وذاكرة تحفظها، وأجيالاً تطورها.
وهذا هو المعنى الذي أراه في جائزة أعوام الإمارات: منصة تجمع الجهود المتفرقة، وتمنح القصص الفردية موقعها داخل السرد الوطني، وتحول الإنجاز اليومي إلى معرفة قابلة للانتقال والتراكم.
مقال للكاتبة: د. موزة غباش في صحيفة البيان.



