
تمثل الحركة المسرحية في الكويت قصة شغف وكفاح ودراسة ومواهب وعمل دؤوب كتب سطورها نخبة من رجالات البلاد الذين آمنوا بالمسرح كرسالة هادفة تنقل الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي والمعيشي، وتعكس الآمال والطموحات في الإصلاح والتغيير، وكوسيلة تثقيف وتوعية وتوجيه قبل أن تكون وسيلة ترفيه وترويح ومتعة.
بذل هؤلاء جهوداً خارقة على مدى سنوات عمرهم منذ أن كانوا صغاراً، وتفانوا في عملهم وثابروا، وسقوا مواهبهم بالعلم والتدريب ومساعدة بعضهم للبعض، متخطين كل الصعاب والتحديات إلى أن صنعوا المستحيل وغدوا رواداً في مجالهم على المستويين المحلي والخليجي.
محققين نهضة فنية ومسرحية مشهوداً لها بالريادة والتألق. ولم تكن هذه الريادة لتتحقق لولا الدعم الرسمي السخي من الدولة وهي تخطو خطواتها الأولى بعد الاستقلال نحو البناء والتنمية على مختلف الصعد.
برزت في الحركة المسرحية والفنية الكويتية أسماء كثيرة، بعضها تألق في التمثيل، والبعض الآخر في الإخراج، والبعض الثالث في كتابة النص. وهناك البعض الذي قادته مواهبه المتعددة إلى الجمع ما بين هذا وذاك، فكان أن سجل اسمه بمداد من ذهب في سجل الخالدين من رواد المسرح، الذي يعتبر أبوالفنون أولها منذ زمن الإغريق والرومان، بل الجنس الأدبي الأحدث نسبياً مقارنة بالشعر في المجتمعات العربية.
أحد هؤلاء هو عبدالرحمن الضويحي، الذي سنوثق هنا سيرته ومسيرته الإبداعية كرائد من رواد المسرح الكويتي، خصوصاً أنه جمع ما بين الإخراج والتمثيل وكتابة النص، وامتد نشاطه من المسرح إلى السينما والإذاعة والتلفزيون، علاوة على بروزه كأحد شعراء ما يعرف في الكويت بالزهيريات، أي الشعر الشعبي القصير.
وهكذا لم يكن غريباً أن يلقبه البعض بشيخ المخرجين الكويتيين، ويطلق البعض الآخر على زهيرياته اسم «الضويحيات». هذا ناهيك عن أن الرجل عاصر بدايات الحركة المسرحية في بلاده ورافق تطورها ونموها وازدهارها حتى غيابه عن المشهد بوفاته، رحمه الله، في 26 يوليو سنة 1996.
كما أنه عرف عن قرب كل أو معظم الفنانين الكويتيين الرواد من أمثال خالد النفيسي وغانم الصالح وعبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وعلي المفيدي وإبراهيم الصلال وعقاب الخطيب.
ولد عبدالرحمن بن سليمان بن ضويحي الضويحي (المكنى بـ «أبو ضاحي») في عام 1934 بحي القبلة في فريج السند، لكنه عاش معظم حياته في حي الصالحية بشارع فهد السالم.
كان ميلاده لوالده المنتمي لأسرة «الضويحي»، والأخيرة هاجرت إلى الكويت في القرن التاسع عشر من بلدة جلاجل النجدية وسكنت أحياء الجبلة والصالحية من العاصمة، وتصاهرت مع العديد من العائلات الكويتية المعروفة مثل: الشايجي والبخيت والعيسى والمرجان وبورحمة والحوال والعيد، طبقاً لموقع «منتدى تاريخ الكويت» الإلكتروني.
نشأ وترعرع في ظل والديه مع إخوته الستة (عبدالعزيز وعبدالمحسن وعبدالله وعبدالرزاق ومنيرة وفاطمة)، لكنه عانى من اليتم وهو في سن السادسة بوفاة والده سنة 1940.
التحق للدراسة عند المطوع «ملا محمد بن شرف» في كتابه التقليدي بمنطقة القبلة، فدرس القرآن الكريم، ثم انتقل إلى المدرسة القبلية التي أنهى بها مرحلة الروضة بنجاح وتفوق لافت، ثم واصل دراسته في هذه المدرسة حتى الصف الثالث الابتدائي، لينتقل منها إلى المدرسة المباركية التي لم يبق فيها سوى أسبوعين في الصف الرابع الابتدائي. بعد ذلك أكمل دراسته بالمدرسة الأحمدية.
بدأت معالم نبوغه وذكائه وشطارته تظهر حينما كان في المدرسة القبلية، حيث كان مشاركاً دائماً في الأنشطة المدرسية، ومنها تلاوته القرآن الكريم في طابور المدرسة الصباحي بصوته الجميل، وقيامه بتقديم مقاطع تمثيلية قصيرة على المسرح المدرسي، الأمر الذي استرعى انتباه ناظر مدرسته آنذاك المربي عبدالملك الصالح.
وقتها جرت العادة أن تقيم المدارس في نهاية العام الدراسي احتفالاً يتضمن تقديم مسرحية تاريخية وأخرى فكاهية، فاختاره الناظر للمشاركة في مسرحية تاريخية كان هو مخرجها بعنوان «حرب البسوس»، فأجاد الضويحي أداء الدور المرسوم له بإتقان وهو في التاسعة من عمره، بل وشارك أيضاً في المسرحية الفكاهية إلى جانب صالح العجيري (الفلكي المعروف لاحقاً) وخالد الجسار (الوزير لاحقاً) وعقاب الخطيب (الفنان المسرحي المعروف).
منذ مشاركته تلك ولع الضويحي بالتمثيل، بدليل أنه شجع أولاد حيه السكني (ومنهم عبدالعزيز مصطفى ويوسف محمد رشيد) وتعاون معهم على إحضار عدد من الصخور ليبنوا منها مسرحاً، ثم استعاروا ملابس رجالية ونسائية من بيوتهم ليستخدموها في التمثيل، وفوق ذلك صنعوا تذاكر دخول من كراريسهم المدرسية ليبيعوها لمن يريد المشاهدة.
أخبرنا الضويحي عن بداياته الاحترافية، فقال إنه كان في سنة 1956 في لبنان، وحينما عاد إلى الكويت وجد في انتظاره خطاباً من المخرج محمد النشمي يدعوه فيه، بصفته مديراً للمسرح الشعبي، أن ينضم لهذا المسرح، الذي كان يعرف سابقاً باسم «فرقة الكشاف الوطني»، فسارع صاحبنا إلى الاستجابة، والتحق بالمسرح الشعبي في سبتمبر 1957.
وكان وقتها يعمل بدائرة الصحة العامة أميناً للصندوق، لينضم إلى آخرين سبقوه من أمثال عبدالله خريبط وعبدالرزاق النفيسي وخالد النفيسي وحسين غلوم وغيرهم. وهكذا، شارك صاحبنا في مجموعة من الأعمال المسرحية الكويتية الأولى، وكانت مرتجلة من تأليف وإخراج محمد النشمي، مثل: «قرعة وصلبوخ» و«ضاع الملف» و«ضاع الأمل» و«شرباكة».
في سنة 1964 أقدم الضويحي على تأسيس «المسرح العربي» مع خالد النفيسي وعبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وغانم الصالح وحسين يعقوب العلي وحسين الصالح وعبدالوهاب السلطان وجعفر المؤمن وعدنان حسين، وانتقل إليه، وظهر كممثل على خشبته في أربع مسرحيات جادة باللغة العربية الفصحى من إخراج المسرحي المصري الكبير زكي طليمات هي:
«صقر قريش» من تأليف محمود تيمور، و«فاتها القطار» من تأليف توفيق الحكيم، و«مضحك الخليفة» من تأليف علي أحمد باكثير»، و«آدم وحواء» من اقتباس فتوح النشاطي.
كان هذا قبل أن يستقيل من المسرح العربي في عام تأسيسه، ويعود مجدداً إلى «المسرح الشعبي لينتشله من العمل الارتجالي والفوضوي، فقدم من على خشبته في السنة ذاتها تجربته الأولى الحقيقية في كتابة النص والإخراج من خلال مسرحية «سكانه مرته» الناجحة التي حشد فيها ثلة من نجوم الفرقة.
تلا ذلك قيامه بتقديم مجموعة من الأعمال الناجحة للمسرح الشعبي كمخرج ومؤلف وممثل، كما قام بعد النجاحات التي حققها بإعداد أو تكويت عدد من المسرحيات منها:
«الجنون فنون» و«غلط يا ناس» في 1964، و«كازينو أم عنبر» في 1966، و«انتخبوني» و«حرامي آخر موديل» في 1967، و«روزنامة» في 1970، علماً أن جميعها كانت من إخراجه، عدا «الجنون فنون» التي أخرجها زميله خالد الصقعبي.
هذا ناهيك عن تأليفه مسرحية «اصبر وتشوف» التي أخرجها المصري حمدي فريد في 1965، والتي تعد أول عمل مسرحي كويتي تدور أحداثه في إطار من الخيال والكوميديا.
إلى ما سبق، أخرج الضويحي مسرحيات من تأليف غيره مثل: «يمهل ولا يهمل» في 1966، و«كاوبوي في الدبدبة» في 1970، و«إبراهيم الثالث» في 1973، و«سخنا الماي وطار الديك» في 1974، و«ورطة خريج» في 1976، و«العمارة رقم 20» في 1978.
كما امتد نشاطه إلى الدراما التلفزيونية، فجسد شخصية شاعر الكويت الضرير فهد العسكر في ثلاثية «الرحلة والرحيل» التي أنتجت سنة 1979، وشارك في مسلسل «الأقدار» سنة 1978 مع عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وغانم الصالح وإبراهيم الصلال وخالد العيد وعبدالعزيز النمش وسمير القلاف، مؤدياً ببراعة دور «النوخذة بن عيدان».
من الأمور الأخرى التي تحسب للضويحي في تاريخ الفن الكويتي، أنه كتب أول تمثيلية محلية أنتجها تلفزيون الكويت في عام 1964، وكانت بعنوان «إذا فات الفوت ما ينفع الصوت»، وهي تمثيلية من بطولة سعد الفرج وعبدالوهاب السلطان وحسين الصالح الدوسري، شاركت بها الكويت في مهرجان التلفزيون بمدينة الإسكندرية، علماً بأنه كتب لاحقاً للتلفزيون تمثيليات أخرى مثل «الطوفان» و«ما لك إلا خشمك».
ثم كتب في عام 1975 قصة وسيناريو وحوار فيلم «الصمت» للمخرج هاشم محمد الشخص، والذي يعد بمثابة التجربة السينمائية الثانية للكويت من بعد فيلم «بس يا بحر» للمخرج خالد الصديقي.
كما أنه ساهم مبكراً في الإذاعة الكويتية بكتابة وإخراج تمثيلية بعنوان «طبيب يداوي الناس وهو عليل»، تم تقديمها على الهواء مباشرة. من جهة أخرى، كان الضويحي وراء اكتشاف عدد من المواهب الكويتية التي ذاع صيتها لاحقاً في الأعمال المسرحية والدرامية والإذاعية مثل:
مريم الغضبان وجاسم النبهان وطيبة الفرج وأحمد الصالح وإبراهيم الصلال وعبدالعزيز النمش وعبدالعزيز المسعود. كما كان وراء تكويت عدد من المسرحيات، ومنها: مسرحية «المهرج» في عام 1980 من تأليف محمد الماغوط وإخراج أحمد مساعد، ومسرحية «حكمت محكمة السلطان» في عام 1982 من إخراج نجم عبدالكريم.
قلنا إن الضويحي كتب الشعر الشعبي القصير المعروف باسم الزهيريات، واشتهر بها، فصار يطلق على زهيرياته اسم «الضويحيات»، وكانت أولى محاولاته في عام 1962 حينما كان في القاهرة، حيث كتب زهيرية مطلعها «يا عاذلي ما أرى في صاحبك سلوى».
الذين فحصوا زهيرياته وكتبوا عنها أجمعوا على أنها متنوعة لجهة المواضيع والأغراض، وبصورة أثرت تجربته الشعرية، ومنحتها بعض التميز، وأنه نجح في المزج ما بين الأصالة والتراث والمعاصرة واستخدام خليط من المرادفات اللفظية القديمة والحديثة من الفصحى والعامية، الأمر الذي أضفى على زهيرياته قوة وثراء.
من ناحية أخرى يمكن النظر إلى زهيرياته على أنها نابعة من شاعر مرهف الإحساس وصادق التعبير ومن إنسان مرح ساخر يستهدف تقويم مجتمعه وإصلاحه وحضه على مكارم الأخلاق والتمسك بالقيم والمبادئ الأصيلة.
من زهيرياته، التي نشرها في دواوين، ونشرها قبل ذلك في الصفحة الأخيرة من جريدة «الأنباء» الكويتية منذ عام 1994، واحدة بعنوان «أنصاف الحلول» قال فيها:
أنصـاف الحلول مو كل حال فيها أنصـاف
والأثـلاث يا ذا الربـع ما تستوي أنصـاف
وما يطير طير إنّتف ما يطيـر الا إن صـاف
هيهـات مـا يجتمع حاضـر معـا ماضـي
مشعـاب في محزمك مـو خنجـرٍ ما ضـي
وسـمي مـا يلتفـت لا صـوّتـوا ما ضـي
وِرقيّـه مـا تلتفـت لا صـوّتـوا انصـاف
وزهيرية أخرى بعنوان «يا ضاحي» قال فيها:
ضـاحي تشَـرّهت وما في الشره شي يبنـي
ضـاحي تعبـت بـربـاك وشـوف شيّبنـي
ضـاحي انـا معك شـي يهـدم وشي يبنـي
خلنـا نتفـاهم يا ضـاحي خـل يقـوم البنـا
الـوقـت مـا ينلحــق يالله تــرى ولبنـا
جــدّك لاجلنــا يعـاف إحْليْبتــَه ولْبِنـَه
مـا قـال ولّيـن إلهـالـدنيـا إشّيّـيبـنـي
تمّ تكريم الضويحي أكثر من مرة، حيث كرمته فرقة المسرح العربي في «يوم المسرح العربي»، وجرى تكريمه في مهرجان المسرح الخليجي بدولة قطر سنة 1990، ثم تكرر ذلك في 4 يونيو 1996 من قبل جمعية الفنانين الكويتيين.
ولأنه كان وقتذاك مريضاً بمستشفى الصباح، فقد انتقل وزير الإعلام آنذاك الشيخ سعود الناصر الصباح برفقة رئيس جمعية الفنانين الكويتية عبدالعزيز المفرج (شادي الخليج) إلى المستشفى لتكريمه هناك. كما احتفي بذكراه ضمن أنشطة مهرجان «صيفي ثقافي» السابع في مكتبة الكويت الوطنية عام 2012، حيث أقيمت له منارة ثقافية شارك فيها الناقد الدكتور إبراهيم غلوم والأديب الشاعر مبارك عمرو العماري من مملكة البحرين.
لكن على الرغم من كل هذا، يعتقد البعض أن الضويحي لم ينل حقه من التكريم كما يجب لأن عطاءاته لوطنه وفنه تجاوزت التمثيل والتأليف والإخراج، وتأسيس المسارح وإدارتها، والمساهمة في الإذاعة والدراما التلفزيونية، واكتشاف المواهب، ونظم الشعر الشعبي، إلى التفنن في لغة المسرح والدراما وإتقانها، وإحياء المفردات القديمة في اللهجة الكويتية الدارجة.
الكاتب. د. عبدالله المدني من صحيفة البيان الاماراتية.



